‏إظهار الرسائل ذات التسميات غاليليو. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات غاليليو. إظهار كافة الرسائل

23/04/2026

لماذا تنحاز للرأي السائد بين قومك؟

يلفت انتباهي بين حين وآخر ، إصرار الناس على جواب واحد لكل سؤال. وهذا – في ظني – من أهم الأسباب التي تجعلنا غير قادرين على الاستفادة من نقاشاتنا ، او التوصل عبرها الى تفاهمات مفيدة او قناعات جديدة.

جاليليو في المحكمة

ويبدو ان هذه الفكرة ، أي ان لكل سؤال جواب واحد فقط ، راسخة في أذهاننا ، حتى ان تأثيرها يظهر خارج اطار النقاش. فترى الكتاب والخطباء يطلقون احكاما جازمة على الموضوعات التي يبحثونها ، يعرضونها في فترينة الحق الوحيد ، الذي لا يمكن ان يوازيه رأي آخر يخالفه في قليل او كثير. مع ان كل فكرة هي احتمال واحد من بين احتمالات عديدة. فالرأي المنشور يمكن ان يكون احد الاحتمالات ، كما ان الآراء المعارضة له احتمالات ، في نفس المستوى ، وهي قد تكون واحدا او اثنين او عشرة.

في السياسة والصحة والتجارة والتسويق والميكانيكا والفيزياء والأخلاق ، بل كل حقل من حقول المعرفة الإنسانية ، نتوصل الى رأي في موضوع ، ثم يتوصل غيرنا الى رأي مختلف ، ويأتي بعده رأي ثالث ورابع وهكذا. ولا يمكن للعالم ان يسير أو يتقدم ، لو أصر الناس على رأي وحيد. تخيل لو ان معاصري جاليليو  ، المكتشف الإيطالي الشهير ، نجحوا في كبت آرائه ، استنادا الى أقوال العلماء الاقدم منه (وهم يومذاك أشهر منه وأرفع مكانة) نظير كوبرنيكوس أو ابن الهيثم أو ارخميدس أو ارسطو ، فهل كنا سنعرف ما أنتجه من مباديء أساسية في الفيزياء الحديثة ، مثل القصور الذاتي والسقوط الحر ، وحتى مركزية الشمس في الكون ، التي حاكمته الكنيسة لأجلها؟.

ان اعظم التطورات في مجال المعرفة الإنسانية (بما فيها المعرفة الدينية) هي ثمرة القبول بمبدأ تعدد الحقيقة ، او تعدد أوجهها. كما ان تاريخ العلم برهان ساطع على بطلان القول بأن الحقيقة واحدة ، او أنها ذات وجه واحد.

تبدو هذه الرؤية بديهية عند أكثر الناس. لكنهم مع ذلك لا يأخذون بها حين يصل الأمر الى مواضع الاشتباك. الا يستدعي هذا السلوك تساؤلا عن السر وراء إيمان الانسان بشيء ثم العمل بخلافه؟.

ذلك السلوك يرجع – في ظني - لعوامل عديدة ، قد تجتمع عند بعض الأشخاص او يغلب واحد منها عند آخرين. وأول تلك العوامل هو المسافة بين موضوع الرأي وبين الذات. لو قلت مثلا ان المسلمين اقل تسامحا من المسيحيين ، فالمتوقع ان الغالبية الساحقة من اطراف النقاش (المسلمين) سترفض هذا القول من حيث المبدأ ، ولن تسأل عن مبرراته او تفصيله. ولو قلت ان التعاطف والتراحم نادر او منعدم في الغرب ، فان نفس تلك الغالبية سوف تؤيد ، من دون سؤال عن التفاصيل. السر وراء هذا الموقف هو الخلط بين الذات والموضوع.

اما العامل الثاني فهو ثقافي. تراثنا يقول بأن الحق واحد غير متعدد. وهذه للمناسبة استعارة من رؤية مشهورة لارسطو ، فحواها ان كل سؤال له جواب واحد صحيح ، ولا يمكن ان يكون للسؤال الواحد جوابان صحيحان. وهو تفريع عن مبدأ عدم التناقض الشهير في المنطق الارسطي ، وقد تبناه معظم علماء المسلمين القدامى ، وورثناه منهم.

ويرجع العامل الثالث الى ما أسماه الفيلسوف المعاصر توماس كون بالبرادايم ، أي النسق الثقافي/الاجتماعي الذي يشكل طابعا عاما للفكر في زمن محدد او تيار محدد. وهو وان كان معنيا بالعلوم الطبيعية بشكل رئيس ، الا اني وجدت في دراسة قديمة لي ، انه قابل للتطبيق في العلوم الإنسانية أيضا.

حين تكون ضمن نسق معين ، فكل شيء داخله يعد مسلما به او شبه بديهي ، وكل ما هو خارجه مثير للتساؤل. ولهذا نادرا ما يفكر الناس (نقديا) في معتقداتهم ومنطلقاتهم وبنية تفكيرهم ، التي توجه لغتهم ومواقفهم وقناعاتهم الراسخة ، وتؤسس - بالتالي – منظومة المسلمات ، التي يرجعون اليها حين يفكرون او يقررون.

الشرق الأوسط الخميس - 06 ذو القِعدة 1447 هـ - 23 أبريل 2026 م https://aawsat.com/node/5265548 

مقالات ذات علاقة

 "اخبرني من اثق به..."
الاصلاح يبدأ من الخارج
أصنام الحياة
حزب الطائفة وحزب القبيلة
عن الهوية والمجتمع
فقه جــديد لعصر جـديد
القبيلة والطائفة كجماعات متخيلة
كهف الجماعة
كيف تولد الجماعة
لغة ضيقة
من عقلية القطيع الى تصلب الشخصية
مهابهاراتا.. أعظم ملحمة في تاريخ الانسان
 

23/08/2017

العلمانية بين فريقين

||اهم انجازات الحداثة هو ارتقاء مكانة الانسان/الفرد من منفعل الى فاعل او متفاعل. وهذا يظهر بوضوح في تعامل الفرد مع الدين||. 
يمكن لمن شاء ان يكيل المدائح للعلمانية او يرميها بكل الموبقات. هذا لا يغير أي شيء في اي موضوع. العلمانية محايدة تجاه المعتقدات التي تسكن في ضمير البشر . ومن هنا فهي ليست داعما للمقدسات والجوانب الغيبية في العقائد والاديان. لكن هذا لا يجعلها عدوا للأديان ، ولا يجعلها بالتاكيد دينا بديلا عن اي دين او منافسا للدين.
المتحدثون في العلمانية فريقان ، يفهمها كل منهم في إطار مختلف. الفريق الاول يؤمن بها كايديولوجيا او شبه ايديولوجيا ، يريد تمكينها كمبدأ معياري في الحياة العامة. اما الفريق الثاني فيفهمها كمسار تحول في الافهام والتعاملات ، التي يطور البشر من خلالها حياتهم. لكنه لا يتبناها كمعيار او قيمة مستقلة. 
بالنسبة للفريق الاول فان الحياة ليست سوى مجال لتبادل المنافع المادية. وان التبادل المفيد هو ما ينتج قيمة مادية ، او يقبل التحويل الى قيمة قابلة للاحتساب ، وفق معايير الدنيا الحاضرة. القيم المعنوية والاخلاقيات مفيدة طالما امكن ترجمتها الى قيم مادية. فاذا اقتصرت عوائدها على منافع غير منظورة أو مؤجلة لما وراء الحياة ، فليست ذات موضوع.
انطلق هذا التصور من موقف معاد للأديان والتقاليد الروحية التي تحيل المكاسب لما بعد الحياة ، او تفترض وجود شريحة من الافعال والمسلمات ، لا يقدر العقل البشري على ادراكها واستيعابها. ولذا يجب فعلها والتسليم بصحتها  تعبدا ، او طمعا في الجزاء الأخروي.
اما الفريق الثاني فينظر للعلمانية كناتج طبيعي لانتقال المجتمع من عصر التقاليد الى عصر الحداثة. في عام 1616 حاكمت الكنيسة الكاثوليكية عالم الفيزياء الايطالي غاليليو ، لأنه برهن على صحة آراء كوبرنيكوس ، القائلة بان الارض تدور حول الشمس ، خلافا للتفسيرات المستمدة من الكتاب المقدس. نعلم اليوم ان الناس – حتى الاكثر تدينا منهم - يتعاملون مع الفيزياء والفلك كعلوم مستقلة بقواعدها وتجاربها ، ولا يعتمدون التفسيرات المستمدة من الكتب المقدسة. استقلال العلوم وفقدانها للقداسة او الخضوع للمقدس ، هو احد وجوه التحول الذي يوصف بالعلمانية. ومثل ذلك تماما استقلال القانون والاقتصاد وغيرها من جوانب الحياة.
بناء القوانين وانظمة الدولة والسوق على نتائج الدراسات العلمية والمداولات بين ذوي الاختصاص ، يزيل القداسة من تلك الانظمة ، ويحولها الى شأن عرفي يستمد الزاميته من ذاته او من توافق المجتمع عليه. اي ان طاعة القانون تفهم من جانب الناس ، كواجب يرتبط بالمصلحة العامة العرفية ، لا كتكليف ديني.
ونذكر أيضا ان اهم انجازات الحداثة هو ارتقاء مكانة الانسان/الفرد من منفعل الى فاعل او متفاعل. وهذا يظهر بوضوح في تعامل الفرد مع الدين. في عصر التقاليد كان واجبا على الفرد ان يسمع ويطيع. لأن التعاليم الموجهة اليه ، آتية من مصدر اعلى وأعلم بمصالحه. اما في عصر الحداثة ، فقد بات الفرد أقل اكتراثا بمصدر التعاليم ، واكثر اهتماما بالتحقق من فائدتها لحياته. بسبب هذا التحول فان التدين السائد اليوم ليس صورة عن تدين الآباء ، ففيه الكثر مما استعاره الأبناء من الزامات عصرهم ونتاجاته. تحول موقف الفرد وموقعه من الانفعال الى التفاعل ، هو مثال آخر على تغير مفهوم ومعنى المقدس وتقلص مساحاته في حياة الناس.
لو تركنا جانبا دعوة الفريق الاول ، التي تحمل مضمونا ايديولوجيا ، وركزنا على التأمل في تفسيرات الفريق الثاني ، فقد نجد ان العلمانية في هذا المعنى واقع يتحقق بالتدريج ، وليست مسألة مطروحة للنقاش.
الشرق الاوسط 23 اغسطس 2017 http://aawsat.com/node/1005801
 مقالات ذات علاقة



تصنيف الناس سلوك طبيعي.. ماذا عن الكراهية؟

"كل المثقفين هكذا .. يتفلسفون في كل مسألة ، يطيلون الكلام في كل زاوية. والنتيجة؟..   تاثيرهم صفر..". هكذا علق أحد القراء الأعزاء ع...