‏إظهار الرسائل ذات التسميات ذهنية الزبون. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ذهنية الزبون. إظهار كافة الرسائل

11/06/2026

الانسان ، التراب ، والوقت .. عودة لنقاش قديم

هذه مراجعة لرؤية المرحوم مالك بن نبي حول الاركان الثلاثة التي تقوم عليها الحضارة ، أي الانسان والتراب والوقت ، مع تعديل أراه ضروريا ، كي تستوعب تحولات الفكر في يومنا الحاضر.

المرحوم مالك بن نبي

اعلم ان بعض الناس يرى هذا الموضوع قليل الاهمية ، وان المسائل العملية اللصيقة بالواقع اليومي هي الجديرة بالاهتمام. لكني اجد أيضا أن غالبية أهل الرأي ، متفقون على ان مفتاح التقدم هو تطوير الاقتصاد والتعليم والبحث العلمي وتوطين التقنية. ان اهتمامهم بالمنطق الرياضي والحسابات ، التي تشكل عماد التقنية المعاصرة ، بدل البلاغة وبديع الكلام ، دليل على ايمانهم بمحورية المعارف النظرية ، التي تشكل الأرضية والاطار الضروري لتطوير التقنيات العملية.

اعتقد ان الجميع متفق على ضرورة النهضة ، وعلى البدء بالإنسان الذي يحقق النهضة ويستفيد منها. لكن البعض قد يتناسى حقيقة ان النهضة ليست إجراءات او منظومة أعمال فقط ، بل هي في المقام الأول رؤية نظرية للاهداف الكبرى والوسيطة ، ومعايير للتحقق من سلامة العمل ، ثم الإجراءات والبرامج التي ستوصلنا اليها.

اني اطمع ان يهتم عدد أكبر من أهل الرأي في بلدنا وحولها بقضايا النهضة ، ولا سيما بتحويلها من شعارات عامة او تمنيات ، الى مسائل قابلة للنقاش العام ، وتطبيقات متصلة بالحياة اليومية لكافة الناس. ألاحظ مثلا ان رؤية السعودية 2030 التي تمثل – في ظني - أوسع مشروعات التحول الاقتصادي في الشرق الأوسط ، خلال الخمسين عاما الأخيرة ، لا تحظى بنقاش معمق ومستمر في الصحافة المحلية ، او في الاحاديث العامة للمتخصصين ، مع علمنا بأن هذا المشروع الضخم سوف يترك انعكاسات عميقة جدا على بنية المجتمع السعودي ومحيطه الإقليمي ، على الاقتصاد والثقافة ومنظومات القيم الاجتماعية. وقد شهدنا فعلا بعض تلك الانعكاسات ، ونتوقع المزيد منها خلال السنوات العشر القادمة.

لا شك ان هذه التحولات جديرة بالنقاش من جانب جمهور المواطنين ، فضلا عن أهل الرأي والمتخصصين. ويؤسفني ان غالبية العرب لا تهتم كثيرا بالجدل حول المشروعات الوطنية الكبرى. ويشار عادة في تبرير هذا الإهمال ، الى انشغال الناس بلقمة العيش ، التي قد تكون عسيرة في بعض البلدان. مع ان تلك المشروعات هي العلاج الفعال والتاريخي لشحة الرزق وانكشاف المجتمع.

سوف اعود لمناقشة الرؤية المبكرة التي طرحها مالك بن نبي في مقالات لاحقة. لكني أود البدء بصياغة جديدة لمفهوم الانسان الذي اقترحه ، والذي أراه منصرفا الى معنيين: أولهما كون الانسان هدفا نهائيا للنهضة ، فلا يصح ان تضم بين مشروعاتها ما يضعف دوره او يقيد مساراته. وثانيهما كونه الفاعل الرئيس الذي تعتمد عليه مشروعات النهضة. ومن هنا فان تطوير قدرات الانسان العقلية والعلمية ، أي تمكينه من إدارة التطور الذي نسميه نهضة ، يعد رهانا محوريا وتمهيدا لا بديل عنه عند انطلاق المشروع وفي سياقه.

اما التراب ، فقد كان الأستاذ مالك يركز على مفهوم الأرض والإنتاج الزراعي. وأرى ان الاصوب استبداله بمفهوم "الطبيعة" ككل ، باعتبارها موضوعا لعمل الانسان. نهضة الاقتصاد والعلم ، وهما جوهر مفهوم التقدم ، ليست في حقيقتها سوى الاستثمار الاكفأ للموارد الطبيعية.

اما الوقت ، فاني اقترح استبداله بمفهوم الزمن او التاريخ ، لأن التقدم ليس مشروعا ينتهي بعد مدة. بل هو اقرب لبرنامج مفتوح ، يبدأ بما تعرف ، فتنفتح أمامك أبواب كانت مجهولة ، فتستغني عما سبق. وهكذا فكل عمل في مشروع النهضة هو عبور من مرحلة معروفة الى أخرى جديدة ، تؤدي بالضرورة الى زوال قيم وبروز أخرى ، وزوال مفاهيم واحكام واخلاقيات وبروز بدائل عنها ، وهكذا. معرفة الانسان تاريخية بطبعها ، أي مؤقتة. اعتبار المعرفة تاريخية ، أي مشروطة بزمنها ، شرط ضروري للتعامل الناضح مع التحولات التي تجري في سياق النهضة.

ولنا عودة الى الموضوع ان شاء الله.

الخميس - 26 ذو الحِجّة 1447 هـ - 11 يونيو 2026 م         https://aawsat.com/node/5282680

مقالات ذات صلة

 اختيار التقدم

الأمل الآن وليس في آخر الطريق

بقية من ظلال الماضين

التقدم اختيار.. ولكن

 تلميذ يتعلم وزبون يشتري

 التمكين من خلال التعليم

الحداثة تجديد الحياة

خطباء وعلماء وحدادون

 شكوك في العلاقة بين الثقافة والتقدم

فكرة التقدم باختصار

الفكرة القائدة ، مثال الواتس اب

كيف نتقدم.. سؤال المليون

المكنسة وما بعدها

هيروهيتو ام عصا موسى؟

04/04/2018

المكنسة وما بعدها.. هل جربت صنع المكنسة؟

|| لم نفكر سابقا في المكنسة. مازلنا نشتريها من الخارج. لم نفكر ايضا في الفكرة الكامنة وراء السيارة والهاتف والحاسب ، ولذا سنواصل التعامل معها كمستهلكين ومع صانعيها كزبائن دائمين||

 كتب مالك بن نبي يوما: نشأت وأنا أرى جدتي وأمي تكنسان الأرض وتشكيان من ألم الظهر بسبب الانحناء. لم تفكر احداهن في اضافة عصا الى تلك المكنسة الصغيرة. ثم جاء الفرنسيون بالمكنسة الطويلة ، فارتاحت أمي حين باتت قادرة على كنس بيتها وهي مستقيمة. (وجهة العالم الاسلامي 1/141)

قد تبدو المكنسة شيئا تافها أو هامشيا. لكن موضع اهتمامنا ليس المكنسة بذاتها. بل محتوى العلاقة بين هذا الشيء البسيط وبين صاحبه. هذا ينطبق أيضا على السيارة والمصباح الكهربائي وموقد الغاز وجهاز التبريد والدراجة ، وكل شيء في  حياتنا. نستعرض هذه الاشياء ثم نسائل انفسنا: لماذا لم نستطع الاسهام في حركة الصناعة والتقنية التي يعج بها العالم الحديث ، حتى على مستوى اضافة عصا الى المكنسة ، فضلا عما فوقها. 

المرحوم مالك بن نبي
 ركز مالك بن نبي جل اهتمامه على ما يسميه بعالم الافكار ، اي الذهنية التي توجه رؤيتنا لأنفسنا ولما حولنا من بشر وأشياء. وهو يعتقد ان تقدم المجتمعات وتأخرها ناتج مباشر لتلك الذهنية. امهاتنا اللاتي كابدن الآلام مع المكانس القديمة ، لم تنظر احداهن في الفكرة الكامنة خلف هذا الشيء. 

المكنسة تشكيل مادي ، لكنها قبل ذلك ، فكرة. من ينظر اليها على هذا النحو ، ربما يتقدم خطوة في اتجاه تفكيك الفكرة ، ثم اعادة تركيبها على نحو أرقى من صورتها الأولى. اما الذي ينشغل بالشيء ذاته ، باستهلاكه واستعماله ، فسيبقى مجرد زبون في السوق. لم نفكر سابقا في المكنسة ، لذلك مازلنا نشتريها جاهزة من الخارج. لم نفكر ايضا في الفكرة الكامنة وراء السيارة والهاتف والحاسب ، ولذا سنواصل التعامل معها كمستهلكين ومع صانعيها كزبائن دائمين. 

لعل بيننا شبان نابهون التفتوا الى هذه المسألة. ولعل بعضهم أراد العبور من "الشيء" الذي يستعمله الى "الفكرة" التي وراءه. ربما كانوا قادرين على ذلك. من المؤكد ان بعضهم ذكي بما يكفي لابداع شيء جديد. لكنه على الاغلب لن يأتي بجديد. لأن محيطه الاجتماعي سيقنعه بأن الامر لا يستحق. لو كان الجو مشجعا لكنا نصنع اليوم كثيرا مما نحتاج ، تماما مثلما فعل الاخرون الذين سبقونا في هذا المضمار.

ثمة أوهام شائعة بيننا ، نتداولها كمسلمات. وهي مسؤولة الى حد ما ، عن كبح محاولات المبدعين وتثبيطهم ، اوهام من قبيل اننا عاجزون عن الابداع لأن تعليمنا ضعيف قياسا لما يملكه الغرب. وأوهام من نوع أننا لا نملك المال الكافي ، وكل شيء يحتاج الى مال. وأوهام مثل أن الغرب لن يسمح لنا بالاستغناء عنه.

ذهنية الكسل والاستحالة التي تحول هذه الاوهام الى مسلمات ، هي السر الذي جعلنا لا نستثمر التعليم ، رغم مرور قرن على بدايته ، وحصول مئات الالاف على تعليم جامعي ، وانفتاح المجتمع على كل جديد في العلم والتقنية.
الابداع العلمي والصناعة رهن بتوفر ذهنية مختلفة ، ذهنية معاندة للمألوف وجريئة على اختراق جدار المسلمات والاوهام التي تبرر التأخر بقلة العلم او المال او هيمنة الاجانب.

لقد قيل الكثير عن التعليم وتطويره. والذي أرى ان التطوير الذي نحتاجه ، هو ذلك الذي يسهم في تكوين ذهنية ناقدة متمردة ، قادرة على التشكيك في المسلمات. قيل الكثير أيضا عن تطوير الاعلام والمنابر. والحق ان التطوير الذي نحتاجه اليوم ، هو ذلك الذي يسهم في اقناع اجيالنا الجديدة بان جوهر الفضيلة يكمن في المغامرة وكشف الغيب واقتحام المجهول.
الشرق الاوسط - الأربعاء - 18 رجب 1439 هـ - 04 أبريل 2018 مـ رقم العدد [14372]

 

الانسان ، التراب ، والوقت .. عودة لنقاش قديم

هذه مراجعة لرؤية المرحوم مالك بن نبي حول الاركان الثلاثة التي تقوم عليها الحضارة ، أي الانسان والتراب والوقت ، مع تعديل أراه ضروريا ، كي تس...