‏إظهار الرسائل ذات التسميات حافظ الاسد. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حافظ الاسد. إظهار كافة الرسائل

12/03/2026

الطريق الى مجتمع عادل

يعد الكاتب البريطاني باتريك سيل (1930-2014) واحدا من أبرز الخبراء الأوروبيين في السياسة السورية المعاصرة. ومن اعماله في هذا المجال ، كتاب "الأسد.. الصراع على الشرق الأوسط" الصادر في 1988. رسم الكاتب صورة دقيقة للرئيس الأسبق والنخبة السياسية ، تشكل في ظني أرضية لشرح مسألتين في غاية الأهمية ، أولاهما: لماذا أخفقت النخبة ، ولاسيما التي جاءت من الجيش ، في بناء سوريا الحديثة. والثاني: كيف فهمت هذه النخبة السلطة ، وكيف تعاملت مع مصادرها ، ومع الجمهور العام.


تحدث باتريك سيل لاحقا عن مقابلاته المطولة مع الأسد ، واحاديثه الجانبية التي ساعدته في فهم الاطار الفكري لقراراته. ومن بين الإشارات التي لفتت نظري في تلك الاحاديث ، رؤية الأسد للتحول الديمقراطي وتعزيز المشاركة الشعبية في القرار. فقد رأى ان رفع مستوى المعيشة شرط مسبق ، لأن الديمقراطية في مجتمع فقير ، ستكون أداة لهيمنة أصحاب المال والمتملقين. وبدا لي ان الرئيس كان مقتنعا بهذه الرؤية ، لأنه كررها بتفصيل أكبر في مقابلة مع قناة أمريكية قبل وفاته بفترة وجيزة.

هذه الرؤية ، أي تقديم الارتقاء المعيشي على المشاركة الشعبية ، رائجة جدا بين الاشتراكيين ، كما انها مقبولة الى حد ما بين الليبراليين. لكن الطرفين يختلفان في كيفية المعالجة. يميل الاشتراكيون لتركيز الثروة بيد الدولة ، كي توزع ثمارها بالتساوي بين جميع المواطنين. بينما يميل الليبراليون لتشجيع الاستثمار الخاص ، ثم إعادة توزيع الدخل بواسطة الضرائب. وبهذا فان من يكسب أكثر يتحمل الجانب الأكبر من كلفة الإدارة العامة. واضح ان الحل الاشتراكي يركز القوة ومصادرها في يد الدولة ، بينما الحل الليبرالي يميل لجعل المجتمع مركز القوة الاقتصادية وما يترتب عليها من نفوذ.

 يبدو انني أطلت القول في هذه المسألة ، وكنت أريدها فاتحة للحديث حول رؤية جون رولز ، الفيلسوف المعاصر عما اسماه "المجتمع حسن التنظيم" الذي رآه أرضية طبيعية لبناء نظام اقتصادي عادل تشاركي.

رأى رولز ان ابرز سمات المجتمع حسن التنظيم ، هو قيام مؤسساته على أرضية العدالة ، والتزام جميع أعضاء المجتمع بمقتضياتها. واميل للاعتقاد بأن هذا لا يكفي لجعل العدالة نظاما حاكما بالفعل ، خاصة في المجتمعات الفقيرة الموارد ، والمجتمعات التقليدية التي تعلي من شأن النفوذ الشخصي على حساب القانون. ولذا أرى ضروريا إضافة هذين العنصرين على وجه الخصوص ، لجعل المجتمع حسن التنظيم فعلا ، أي: توفر مستوى معيشة معقول للأغلبية الساحقة من سكان البلاد ، وسيادة القانون ، وعلى الخصوص الضمان القانوني لحق المساواة وحرية التعبير. اما العنصر الأول ، أي مستوى المعيشة المعقول ، فهو لدرء الاحتمال الذي ذكرته في مطلع المقالة ، أي شيوع الاستغلال من جانب أصحاب المال ، على نحول يجعله أساسا للعلاقات الاجتماعية. وقد شهدنا في عدة مجتمعات فقيرة ، حالات تنازل فيها الفقراء عن حقوقهم المدنية من اجل لقمة العيش. واذا لم يكن في المجتمع موارد كافية ، فانه ينبغي – ولو مرحليا – التركيز على السياسات التي تستهدف معالجة هذا المشكل ، حتى لو تأخر التحول الكامل الى مجتمع المشاركة.

أما الثاني ، أي سيادة القانون ، فهو ضروري لاعادة العجلة الى مكانها ، فيما لو اضطر المجتمع الى خوض تجربة فاشلة ، او اضطر بعض المواطنين للتنازل عن حقوقهم المدنية من أجل لقمة العيش. سيادة القانون تحفظ المساواة وتمكن الضعيف من استرجاع حقه او استعادة مكانته المفقودة ، بعد ان يمسي قادرا على النهوض او ينهض فعلا. وبهذا تكون علاقات الاستغلال ظرفا مؤقتا ، لا حالة دائمة او تقسيما طبقيا لا يمكن اختراقه.

ان انكار حق المجتمع في المشاركة بداعي الفقر ، امر سيء جدا. وهو من دواعي فشل المجتمع السياسي. لكن تأثير الفقر في انحراف النظام نحو الاستغلال ، هو الاخر حقيقة لا ينبغي اغفالها. وأرى ان سيادة القانون هي الوسيلة الضرورية لضبط المعادلة بين هذا البعد وذاك.

الشرق الأوسط الخميس - 23 رَمضان 1447 هـ - 12 مارس 2026 م https://aawsat.com/node/5250277

مقالات ذات علاقة 

 

شراكة التراب وعدالة النظام الاجتماعي

"شراكة التراب" كتطبيق لمبدأ العدالة الاجتماعية

الشراكة في الوطن كارضية لحقوق المواطن

شراكة التراب وجدل المذاهب

الوطن شراكة في المغانم والمغارم

اعادة بناء الاجماع الوطني

انهيار الاجماع القديم

التفكير الامني في قضايا الوحدة الوطنية

من دولة الغلبة الى مجتمع المواطنة: مقاربة دينية لمبدأ العقد الاجتماعي

 من التوحيد القسري الى التنوع في اطار الوحدة

الوطن ، الهوية الوطنية ، والمواطنة: تفصيح للاشكاليات

19/09/2006

الحرية المنضبطة والشرعية: مفهوم الحرية في مجتمع تقليدي

|| المجتمع التقليدي يفرض على الافراد طريقة لبسهم ، فضلا عن معتقداتهم. بدعوى ان هذا عرف عام او مصلحة عامة.. الفرد هنا مكلف ، عليه واجبات والتزامات تجاه المجتمع ، وليس صاحب حق اصلي في اختيار طريقة عيشه||

حين تكون في مجتمع تقليدي يتجادل حول الحرية ، او حين تقرأ مقالة لكاتب تقليدي يتحدث عن الحرية ، فسوف تصادفك بالتاكيد عبارة "لا توجد حرية مطلقة ، لا بد من قيود على الحرية والا انقلبت فوضى وعبثا". او ربما تصادفك الفكرة ذاتها في عبارات اخرى ، مثل تلك التي تطالب بالضرب "بيد من حديد" على هذه الفرد او تلك الجماعة.
جمال عبد الناصر

تؤثر هذه الفكرة وامثالها في نفوس عامة الناس لانها تخيرهم بين نظام اجتماعي هاديء ، وبين فوضى واضطراب. والمتوقع بطبيعة الحال ان يميل اكثرية الناس ، لا سيما بالنظر الى خلفيتهم المحافظة ، الى الخيار الاول ، اي المجتمع المنضبط.

هناك بالتأكيد خيارات بديلة عن خيار الفوضى او خيار الانضباط ، وهناك ايضا معان وحدود للفوضى والانضباط ، غير تلك التي يعرضها علينا دعاة القيود والايدي الحديدية. لكن معظم الناس يغفلون هذه البدائل في اللحظة التي يعرض عليهم الاختيار ، كما يغفلون الارضية والاساس الاخلاقي الذي يبرر القبول بهذا او ذاك.

الضرب بيد من حديد ليس من الخيارات الاخلاقية على اي حال ، كما ان الفوضى ليست قدرا حين تغيب الايدي الحديدية. ومن المهم في ظني ان يبذل السياسيون المصلحون ودعاة الديمقراطية جهدا كبيرا في تأصيل مفهوم الحرية وتنسيجه ضمن ثقافتنا العامة.

نحن بحاجة الى جهد كبير لتاصيل مفهوم الحرية ، لان تقاليد الاستبداد والعبودية تستند الى جذور راسخة في ثقافتنا السائدة. كما تستند الى مصادر فلسفية ، كانت مجتمعاتنا عرضة لتاثيرها لزمن طويل ، ومن بينها نظريات دينية وماركسية واخرى متأثرة بالفلسفة اليونانية القديمة. فكرة الحرية في هذا المفهوم هي جزء من رؤية اشمل للحياة والانسان والدولة. وهي تنظر الى هوية الفرد كامتداد لهوية المجتمع اي كجزء من ماكنة كبيرة هي المجتمع وليس كيانا قائما بذاته .

 ومن هنا فان على الفرد ان يقبل بالتعريف الاجتماعي للقيم والمصالح والحق والباطل ، ويدير حياته على ضوء قوانين واعراف الجماعة.

اتخذ هذا المبدأ اساسا لما يعرف اليوم بالنظام الابوي والشمولي الذي يسمح للمجتمع والحكومة بالتدخل في جميع شؤون الفرد الخاصة والعامة ، وقسره على الالتزام بمرادات المجتمع بغض النظر عن رأيه الخاص.

وتظهر المشكلة بشكل اعمق حين تكون الحكومة متجبرة او ايديولوجية ، تستعمل القانون والموارد العامة في تطبيق وتعميم ايديولوجيتها كحال الحكومات الشيوعية السابقة ، التي حرمت الفرد من التملك ، لان الثروة شأن اجتماعي وليست حقا للافراد ، وفي الحكومات الدينية المعاصرة التي تفرض على الناس نوع لباسهم فضلا عن معتقداتهم ، وكذلك الحال في جميع الحكومات الديكتاتورية ، التي تلزم الناس بخطاب سياسي محدد وتعاقب من يتبنى غيره.

هذه الممارسات تتم تحت مبرر ان خيارات المجتمع هي وحدها الصحيحة ، وان مخالفتها كفر او تمرد او خيانة للجماعة. ينظر هؤلاء الى المجتمع كنظام عضوي جوهره هو الرابطة الاجتماعية ، وليس توافق الافراد او تعاقدهم. بعبارة اخرى فان هذا المفهوم ينظر للفرد كمكلف عليه واجبات والتزامات تجاه المجتمع ، وهو يحصل على حقوقه تبعا لوفائه بتلك الالتزامات ، وليس باعتبارها حقا اصليا ثابتا له لكونه انسانا او مواطنا.

لا يعلن هذا الاتجاه رفضه للحريات الفردية صراحة ، لكنه يقول من دون تحفظ ان الحرية ليست القيمة الاولى او العليا ، وان على الفرد ان يقبل بالتنازل عن حريته كي يعيش في سلام وانسجام. وكان المرحوم جمال عبد الناصر يقترح تأجيل الحريات الفردية والعامة الى ما بعد الانتصار على اسرائيل ، اي انه كان يرى قبول شعبه بالعبودية شرطا للانتصار على اسرائيل.

وليس بعيدا عنه ما اقترحه الرئيس السوري السابق حافظ الاسد ، بتاجيل الكلام عن الحريات العامة حتى وصول الدخل الفردي الى مستوى مواز لدخل المواطن الامريكي والاوربي ، لان الفقراء لا يستطيعون الاستفادة من الحرية ، او لان الحرية سوف تقيد قدرة الحكومة على التخطيط المناسب لتوزيع الثروة. بكلمة اخرى فهم ينصحوننا بالبقاء عبيدا لان هذا سيزيد من دخلنا ، ويتيح لنا الحصول على بيوت افضل ومعيشة اكثر رفاهية.

اظن ان مقاومة هذا المفهوم الاعوج للعلاقة بين الحرية والنظام ، هو جوهر فكرة الاصلاح السياسي التي ينبغي لنا جميعا ان نكافح في سبيلها. وبالنظر للتحول الذي تمر به مجتمعاتنا وهي تسعى للاقلاع من المرحلة التقليدية والانضمام الى تيار الحداثة ، فان معظم الصراعات الثقافية والسياسية تنبعث في حقيقة الامر من هذا الجدل ، فالافراد والقوى الحديثة بشكل عام ، يكافحون للحصول على اقرار قانوني واجتماعي بحقهم في الاختلاف ، بينما تسعى القوى المحافظة لفرض وحدة قسرية في الافكار والتطلعات والتعبيرات ، تظنها اكثر انسجاما مع التقاليد والاعراف السائدة.

يمكن بطبيعة الحال استنباط نظام اجتماعي ، يكفل قدرا مناسبا من الانضباط ، من دون ان يضحي بالحريات الفردية والعامة ، ونقول انه ممكن لانه قائم بالفعل في مجتمعات عديدة. وهو ما سنعود الى بيانه في مقال آخر.

 

   مقالات ذات علاقة

حدود الحرية .. حدود القانون

الحريات العامة كوسيلة لتفكيك ايديولوجيا الارهاب

الحرية ، دراسة في المفهوم والاشكاليات -دراسة موسعة 

الحرية التي يحميها القانون والحرية التي يحددها الق...

الحرية المنضبطة والشرعية: مفهوم الحرية في مجتمع تق...

الحرية عند أهل الفقه

الحرية والنظام العام

الحرية وحدودها القانونية

حقوق الانسان : قراءة معاصرة لتراث قديم

الخبز الحافي والحرية المستحيلة

دعاة الحرية وأعداء الحرية

السعادة الجبرية: البس ثوبنا أو انتظر رصاصنا

الطريق الليبرالي 

عن الليبرالية وتوق الانسان للتحرر: اجابات

كيف يضمن القانون حرية المواطن ؟

الليبرات والليبرون المكبوتون المخدوعون 

الليبرالية ليست خيارا

مجتمع الاحرار

مجتمع الأحرار.. ومفهوم الحرية

مجتمع الخاطئين

مجتمع العبيد

من يتحدث حول الحرية.. وماذا يقول ؟

الهجوم على الليبرالية ليس سيئا

 

تصنيف الناس سلوك طبيعي.. ماذا عن الكراهية؟

"كل المثقفين هكذا .. يتفلسفون في كل مسألة ، يطيلون الكلام في كل زاوية. والنتيجة؟..   تاثيرهم صفر..". هكذا علق أحد القراء الأعزاء ع...