‏إظهار الرسائل ذات التسميات ارسطو. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ارسطو. إظهار كافة الرسائل

30/07/2026

خربوا هواتفكم .. خربوا سياراتكم!

كثير من الناس تابعوا خبر الاتفاق النووي بين السعودية والولايات المتحدة. ولكل سببه. بعضهم نظر للموضوع من زاوية سياسية ، وبعضهم اعتبره مفخرة للبلد ، وثالث نظر الى جانبه التجاري. بالنسبة لي فان الجانب الأكثر أهمية هو "كسر الحاجز التقني".

دعني أبدأ بهذه القصة التي مضى عليها أربعة عقود تقريبا. وخلاصتها ان احد تجارنا كان يملك مصنعا لتجميع الباصات الصفراء المعروفة. ثم اكتشف انه يستطيع استيراد الباص بكلفة اقل ، فقرر اغلاق المصنع. وحين سألته صحيفة عن ذلك ، قال بلسان فصيح ان بعض الشعوب قدرها ان تبرز في التجارة ، وبعضها في الزراعة ، وأخرى  في الصناعة. ونحن شعب قدر الله له ان ينجح في التجارة. بعد ذلك بعشرين عاما ، استمعت لرجل اعمال بارز في الاحساء ، وهو يتحدث عما أسماه "جميل صنع الله" وهو تقسيم الناس الى تاجر وعالم وحاكم وصانع ، هكذا ولدوا وهكذا سيعيشون ، وبه تنتظم الحياة.

أتوقع ان بعض الأعزاء سيضحك في سره على هذا المنطق. وبالمناسبة فهو لم يأت من فراغ ، فقد تبناه المعلم الأول ارسطو حين تحدث في "كتاب السياسة" عن نظام المدينة الفاضلة ، وتبناه استاذه افلاطون في "الجمهورية". وهو يرجع لقناعة شاعت في الماضي ، فحواها ان الصفات السلوكية تنتقل بالوراثة ، وان الأعراق تتمايز في قابلياتها الذهنية كما تتمايز أجسامها. ولعل قراء ابن خلدون يذكرون قوله ان العرب أهل حرب وغزو ، فما حلوا بلدا إلا وأسرع اليها الخراب ، لأنهم غير قادرين على البناء والصناعات.  

لتخفيف وقع هذه الاقوال ، قد يمكنني تأويلها بأن المقصود ليس التباين الجيني ، بل تباين البيئات التي يتربى فيها مختلف الناس. وقد أشار ابن خلدون وغيره الى تأثير الطقس على الميول الذهنية والسلوكية ، وهو يسمح بالقول بان أصحاب تلك الآراء لم يغفلوا دور البيئة والتربية. لكن هذا تأويل كما أسلفت ، والا فان القول بالوراثة كان شائعا في تلك الأزمان.  

نعلم اليوم ان هذه الآراء أقرب الى "السوالف" او العلم الزائف ، بحسب تعبير الفيلسوف كارل بوبر. خلق الله الناس جميعا بعقول متساوية ، فهم يتمايزون في افعالهم وافكارهم وتطلعاتهم ، بحسب البيئة الطبيعية والاجتماعية التي عاشوا وسطها. مع هذا فكل انسان لديه عقل قادر على انتزاعه من بيئته وجماعته ، والانتقال به الى نقيضها لو شاء.

العلم والصناعة من ثمار العقول. ونحن قادرون عليها مثلما قدر غيرنا. وغاية مانحتاجه هو:

١) الايمان العميق والعملي بأننا لا نقل عن غيرنا.

٢) إزالة العوائق التي تعرقل المؤمنين بقدرتهم.

3)اختيار نقطة الانطلاق.

أعتقد أن معظمنا يعرف العوائق ، او يعرف بعضها. لذا سأكتفي بالاشارة لعائق واحد ، اسميته "هيبة التقنية".

"هيبة التقنية" ببساطة ، هي توهم انني لا استطيع تفكيك الهاتف الجوال وإعادة تركيبه ، او تفكيك محرك السيارة وإعادة تركيبه ، او تفكيك مكيف الهواء وإعادة تركيبه. المسألة حقا بهذه البساطة. نحن نهاب هذه الأجهزة الصغيرة. لأننا نخشى الفشل او لعلنا نتوهم ان هذا الجهاز يحوي شيئا يفوق عقولنا.

ولذا فان نقطة الانطلاق هي كسر هذه الأوهام ، ليس بفتح محلات لاصلاح الهاتف او السيارة ، بل إعطاء الهاتف لابنائنا الذين في المرحلة الابتدائية او المتوسطة ، وتشجيعهم على تخريبه وإعادة إصلاحه. ثم إعطاء الولد الذي في المرحلة الثانوية سيارة مستعملة ، واخباره بانه سيكون مالكها اذا فكك المحرك وأعاد تركيبه. شجعوا الشباب على تفكيك الأجهزة التي بايديهم ، حتى لو انتهى الامر بتخريبها وخسارتها. ربما تخسر جهازا ، لكنك تربح عبقريا لا يهاب التقنية.

انا مهتم بالبرنامج النووي السعودي ، لا لسبب سوى هذا: سيعمل فيه عدد من شبابنا ، وسيشعرون وسنشعر معهم اننا قادرون على تكرار ما فعله غيرنا. اذا كان احد يستطيع فعل شيء ، فنحن نستطيع أيضا ، لأن عقولنا ليست اقل من غيرنا.

الشرق الأوسط الخميس - 16 صفَر 1448 هـ - 30 يوليو 2026 م     https://aawsat.com/node/5301495

مقالات ذات علاقة

اول العلم قصة خرافية
تدريس العلوم بالعربية.. هل هذا واقعي؟
التعليم كما لم نعرفه في الماضي
التمكين من خلال التعليم
حاضنات الابداع
حول البيئة المحفزة للابتكار
فتاة فضولية
المدرسة وصناعة العقل
معنى ان يكون التعليم العام واسع الافق
نحتاج تعليما يعد الشاب لحياة معقدة

30/06/2021

المساواة اولا .. المساواة دائما

لطالما وجدت نفسي حاملا السلم بالعرض ، كما يقول اشقاؤنا في الشام. ولم اقصد هذا في اي حال. لكن بعض الاراء تورد الانسان هذا المورد ، برضاه او مجبرا. انها قضايا صغيرة ، تثير نقاشات عميقة متشعبة ، وقد تعلمت الكثير من متابعتها والتأمل في خلفياتها ، وأظن ان غيري قد استفاد منها ايضا.

ومن هذا القبيل نقاش العدالة والمساواة ، الذي عرضت له في مقال الاسبوع الماضي. فقد اعترض بعض القراء ، وبينهم اشخاص في مقام اساتذتي ، على تأكيدي المكرر على مبدأ المساواة. وهم يرون ان الاصل ليس التسوية بين الناس ، لأن الناس غير متساوين في الاساس. البديل بحسب هؤلاء الاعزاء هو مبدأ العدالة ، الذي يعني – عندهم - إعطاء كل شخص ما يستحقه ، ومراعاة الفروق الفردية ، حتى لو ادى ذلك الى تمييز واسع النطاق بين الناس.

انني مهتم بهذا النقاش لسبب بسيط ، وهو ان شريحة واسعة من القراء ، استراحت الى مقولة ان العدل يقتضي التمييز احيانا. وهذا مبدأ صحيح ، لكنه استخدم في المكان الخطأ. بيان ذلك ان أصل النقاش يرجع لخلاف حول التكافؤ الطبيعي. فهناك من قال بان الناس يولدون متكافئين في القيمة والقابليات ، وانما يتفاوتون لاحقا ، بحسب البيئة والتربية والاجتهاد الشخصي. وهناك من قال بان بعض الناس يولدون بدم انقى من الاخرين ، فمكانهم الاجتماعي ، على الدوام ، اعلى من غيرهم. وهذا أصل المسألة الفقهية المعروفة بتكافؤ النسب ، وتفضيل الأبيض على الاسود والرجل على المرأة ، وتفضيل العربي  والهاشمي على غيرهم الخ.

اما النقاش في معنى العدالة ، فقد اتخذ مسارات ثلاثة:

الاول: يقول بان العدل هو معاملة المتساوين بالسوية والتمييز بين المختلفين. مثلا: المساواة بين كافة الرجال الاحرار العاديين. والتمييز بينهم وبين الرجال العلماء ، والرجال العبيد ، والتمييز بينهم وبين النساء.. وهكذا.  وهذا الراي هو السائد في المدارس الدينية ، الاسلامية والكاثوليكية.

الثاني: يقول بان السوق منظم عادل للحياة: يولد الناس متساوين ، ويجب ان يضمن المجتمع حصول الجميع على فرص متساوية (المساواة في البداية). اما مايحصل لاحقا ، فان كفاحهم وظروف السوق والحياة هي التي تقرر من يحصل على ماذا. وهذا راي التيار المعروف بالليبرتاري.

الثالث: يقول بان المساواة هي التمثيل الأولي للعدالة. فاذا اقتضى الامر تمييزا ، فيجب ان يكون لصالح الاقل حظا حتى يتساوى مع الاخرين.

انني لا اخفي ميلي القوي الى الاتجاه الثالث ، والى التيار الذي يتبناه ، وهو المعروف بالمجتمعية/المساواتية الذي ينسب للفيلسوف المعاصر جون رولز. ومما شدني اليه ، انطلاقه من مبدأ العقد الاجتماعي وايمانه بخيرية البشر وقدرتهم على ادراك الحق والخير ، اضافة لتشديده على مبدأ الحرية ، وكونها الاساس الاول والركن الركين للعدالة الاجتماعية.

ان احدى السمات المهمة في المساواة – وفق تصوير ايزايا برلين – هي انها أصل وقاعدة معيارية. لو ساويت بين الناس فلن تحتاج لتبرير ، لانها هي الاصل. لكن لو اعطيت احدا اكثر من غيره ، فلا بد من تبرير لهذا الاستثناء.

وما دمت قد ذكرت برلين ، فلعلي أختم به ، فرغم قوله بأن المساواة هي الاصل ، الا ان طبيعة الحياة تقتضي تطبيق اكثر من مبدأ وقيمة كي تكون اكثر لينا ، اي ان ترجح هذه هنا وترجح تلك في الموضع الآخر. لكن يجب ان لا  ينتهي هذا ابدا الى تهميش القواعد الاساسية ، فنتحول من المساواة الى التمييز او من الحرية الى الاستبداد.

الشرق الاوسط الأربعاء - 20 ذو القعدة 1442 هـ - 30 يونيو 2021 مـ رقم العدد [15555]

https://aawsat.com/node/3054056/

مقالات ذات صلة

"شراكة التراب" كتطبيق لمبدأ العدالة الاجتماعية

23/06/2021

الاثم الاصلي

 

ذكرت في مقال الأسبوع الماضي ، ان المجتمعات الشرقية تميل في مجملها ، للرؤية القائلة بأن الناس لو تركوا وشأنهم ، فالمرجح ان ينزلقوا الى النزاع ، حتى يقتل بعضهم بعضا. كما اشرت في السياق الى راي افلاطون ،  الذي قال ان خوف الناس من العقاب هو الذي يدفعهم لاحترام القانون ، وليس اقتناعهم به او ايمانهم بضرورته للحياة السليمة ، وان هذا المبدأ يتخذ عادة كمبرر للسلطة الخشنة.

والرأي القائل بالميل الفطري للشر والفساد ، هو النظرية التي بقيت شائعة حتى القرن السابع عشر. وبحسب بعض الباحثين فان اول صياغة قوية لها ، تمت على يد القديس اغسطين (354-430م) في كتابه "مدينة الله" ، الذي يعد اول تصوير متكامل للنظرية السياسية الكاثوليكية. وفقا لرؤية اغسطين فان الانسان مذنب بطبعه ، ومحكوم بالاثم الأصلي original sin الذي أنزل أبانا آدم الى الأرض. ولذا فلا بد للمجتمع الإنساني ، من سلطة قادرة على منع الآثمين من الاستغراق في خطاياهم. كما تبنى موقف ارسطو ، القائل بان نظام الكون يقتضي وجود شريحة من الناس وظيفتها الحكم ، وشرائح أخرى وظيفتها الطاعة. تقاسم الأدوار هذا ضروري لاقامة العدل من جهة ، وهو علاج للاثم الاصلي من جهة اخرى. كما رأى ان السلطة الجبرية ضرورية ، وان العدل غير قابل للتحقق الا في دولة دينية ، تقيمها الكنيسة او تخضع لتوجيه الكنيسة.

وقد لاحظت خلال أبحاث سابقة ، ان القائلين بفساد الفطرة البشرية وميل الانسان الطبيعي للشر ، يشتركون في موقف آخر هو ايمانهم بعدم التكافؤ بين البشر ، وبالتالي فانهم لا يرون المساواة ضرورة للعدالة ، بل ولا يعتقدون بضرورتها. وفقا للعلامة الحسن بن مطهر الحلي (1250-1325م) فان "الغالب على أكثر الناس القوة الشهوية والغضبية والوهمية ، بحيث يستبيح كثير من الجهال لذلك ، اختلال نظام النوع الإنساني". وراي الحلي هذا ، مطابق لرأي غالبية معاصريه من الفقهاء ومن جاء بعدهم.

ومال غالبية القدامى (ومن تبعهم من المعاصرين) الى ان التفاوت يبدا في لحظة الولادة. وحسب رأي ارسطو ، فانه "من أجل انتظام الحياة ، قضت الطبيعة للكائن الموصوف بالعقل والتبصر ان يامر بوصفه سيدا. كما قضت للكائن القوي البدن ان ينفذ الاوامر بوصفه عبدا. وبهذا تمتزج منفعة السيد ومنفعة العبد".  ويؤكد في نفس السياق ، ان الله – في لحظة الولادة – "يصب من الذهب في نفس فريق ، ومن الفضة في نفس فريق آخر ، ويصب النحاس في نفس هؤلاء الذين يجب ان يكونوا صناعا وزراعا".

وبمثل ما اختلف الناس في المكانة والمؤهلات والقيمة في لحظة الولادة ، فسيبقون على هذا النحو طوال حياتهم ، حيث قرر افلاطون ، أستاذ ارسطو  بان العدالة لا ترتبط بالمساواة. تكون الدولة عادلة في رأيه اذا رضي كل صاحب حرفة بما أهلته له طبيعته ، اذا رضي الصانع والفلاح مثلا بوضعه ، ولم يحاول ممارسة عمل غير ما هو مؤهل له طبيعيا. بعبارة اخرى فان العدالة تكمن في المحافظة على الفوارق بين الناس وليس الغاءها ، كما يميل انسان العصر الحديث.

قلت في الأسبوع الماضي ان الارتياب في الفطرة البشرية ، متصل بموقع العدالة في ثقافتنا العامة. واظن ان هذا قد اتضح الآن ، على الأقل فيما يخص أبرز أركان العدالة وتجلياتها ، أي مبدأ المساواة بين الناس.

الشرق الاوسط الأربعاء - 13 ذو القعدة 1442 هـ - 23 يونيو 2021 مـ رقم العدد [15548]

https://aawsat.com/node/3041751/

مقالات ذات صلة


04/03/2020

عودة لمبدأ المساواة

نشرت في الشهور الماضية اربعة أبحاث عن مبدأ "المساواة" ، أدهشني الاقبال على قراءتها، خلافا لانطباع سابق فحواه أن هذا النوع من البحوث النظرية، يكتبه قلة ليقرأه قلة أيضا. هذه مقالات طويلة جدا، واستيعابها يحتاح لتركيز شديد. وكلا الامرين يخالف الذوق السائد هذه الأيام. لكن عدد القراءات المسجل في مجموعها تجاوز الثمانية آلاف. وهو رقم يدعوني للتفاؤل بأن المواد الثقيلة – مثل نظيرتها الخفيفة – لها قراء يستحقون من يجتهد لأجلهم.
يبدو لي ان موضوع (المساواة) ذاته ، هو العامل الأكثر جاذبية ، وهو السر وراء العدد الكبير نسبيا من القراءات. المساواة من القضايا التي تثير في انفسنا مشاعر متناقضة ، وربما تضطرنا لاتخاذ موقف مزدوج أو متناقض ، بين ما نراه ضروريا وعقلانيا ، وبين ما نريد الالتزام بمقتضياته.
بيان ذلك: اننا جميعا نميل للاعتقاد بأن تساوي الخلق أمر بديهي. لذا يندر أن نتوقف كي نقارن صورة المساواة التي نتخيلها مع تطبيقاتها الجارية في العالم الواقعي.  لكن يحصل أحيانا – بل ربما في كثير من الأحيان – ان نواجه خيارات حرجة: إما موقف مضاد للصورة المتخيلة عن المساواة ، أو انكار لما نراه بأعيننا ، أو ارتياب في صدقية معتقدات مشهورة. 
لتقريب الفكرة دعنا نضرب مثلا بالاحكام التي ورثناها من الفقه الاسلامي القديم ، مثل عدم المساواة بين الرجل والمرأة ، او بين المسلم وغير المسلم ، في الارث والدية والتزكية والشهادة ، وفي تولي الوظائف التي تسمى وظائف الولايات ، وكذا في الممارسة المستقلة لما يفترض انه حقوق طبيعية ، مثل حق العمل والتعاقد والانتقال والتملك. ونسمي هذه الحقوق "طبيعية" ، لانها جزء من قانون الطبيعة او فطرة الله في الخلق ، فهي اذن سابقة على الشرع والقانون ، ولا يمكن تقييدها بشكل دائم او عام ، على نحو يؤدي لالغائها فعليا حتى مع بقائها اسميا.
الذي يحصل عادة ان الناس يعلنون من حيث المبدأ ، ايمانهم بالمساواة كقيمة عليا مستقلة. لكن فور مواجهتهم للتطبيقات التي ذكرناها ، فسوف يتراجع معظمهم للبحث عن تسوية من نوع ما ، وقد يصل الى حد انكار المساواة كقيمة ، او انكار عموميتها.
وقد لاحظت في تجارب كثيرة ، ان الناس ينقسمون في فهمهم لمبدأ المساواة ، الى ثلاثة اصناف: صنف يشكك في اولويتها او استقلالها (هؤلاء يقولون عادة انها تأتي بعد العدالة او الشريعة). ثمة قسم يشكك في عمومية المبدأ. فهو يرى ان له أولوية وقيمة عليا ، لكن تطبيقه مشروط بشرط منطقي (هؤلاء يذهبون في العادة مذهب ارسطو الذي يدعو للمساواة بين المتساوين ، كالمساواة بين الرجال والمساواة بين الجنود الخ). اما القسم الاخير – وأظنه الأقل عددا – فهو يدعو لأخذ المساواة الى اخر إمكاناتها ، رغم انه يؤمن بان المبدأ لا يتحرك في فراغ قيمي ، بل يطبق متجاورا ومتفاعلا مع العديد من القيم والغايات والمعايير الموازية والمزاحمة (هؤلاء يميلون للتفسير الذي اختاره المفكر المعروف ايزايا برلين في تزاحم القيم).
المساواة إذن ليست مسالة بديهية او بسيطة ، كما تبدو في النظرة الأولى. سوف اعود في مقال قادم لفكرة "تساوي الفرص" والفارق بين المساواة الاجتماعية والتوزيعية. لكني اود الاختتام بالاشارة الى ان اهتمامنا بالمساواة لايقتصر على كونها مبدأ اخلاقيا وفضيلة رفيعة ، فهي قبل ذلك ضرورة للنمو الاقتصادي ، وكابح فعال للعنف  والجريمة والنزاعات الاجتماعية. ولهذا فهي تهم كافة الناس.  
الشرق الاوسط الأربعاء - 9 رجب 1441 هـ - 04 مارس 2020 مـ رقم العدد [15072]

مقالات ذات علاقة


12/02/2020

تحكيم القانون وليس التعويل على الاخلاق

وفقا لرأي د. ابراهيم البعيز فان التوجيه الاخلاقي – رغم ضرورته – ليس علاجا كافيا للانحرافات السلوكية والمشكلات التي تلازم الحياة المدينية. وكان البعيز ، وهو استاذ جامعي مهتم بقضايا التربية والاعلام ، يتحدث امام منتدى التنمية  المنعقد في الكويت (7 فبراير 2020) ، حول الدور المحوري للقانون كضابط للحياة المدينية التي تزداد عمقا وتعقيدا.
اننا نسمع من الارشادت والمواعظ الشيء الكثير ، وبشكل شبه يومي. واذا كنت سعوديا تجاوز الثلاثين من العمر ، فالمؤكد انك حصلت على نحو 2000 ساعة من التعليم الديني. وهذا قدر يكفي لجعلك متخصصا في علم الدين. لكني أجد – ولعلكم مثلي - ان التخصص العلمي شيء والتعامل الاخلاقي شيء آخر. يود الناس بطبيعة الحال المطابقة بين المعرفة الدينية والاخلاق الرفيعة. لكن هذا مجرد افتراض. 
إن معايير السلوك (في جانبها التطبيقي خصوصا) مستمدة من العرف. وغرضها تسويغ التعاملات الاجتماعية. ولذا فهي تصعد او تهبط ، تبعا لتحولات الحياة الاجتماعية: ما يستنكر  بالامس ربما يقبل اليوم ، وما يرحب به اليوم قد يستنكر غدا ، وهكذا. ارتباط الاخلاقيات بالعرف قد يصل الى حد التعارض مع تعاليم الدين ، التي يجري التاكيد عليها كل يوم. من ذلك مثلا إحسان التعامل مع الاجير والفقير والضعيف. ومنه افشاء السلام وايثار الاخر  والاحسان ، ومنه الرحمة والعطف ، ومنه المبادرة باقرار الحقوق المالية والمعنوية لاصحابها ، وعدم السكوت عنها ، فضلا عن انكارها او الحط من قدرها. 
فهذه أمثلة عن اخلاقيات معروفة تحث عليها جميع الاديان ، ويتفق على حسنها كافة الناس ، لكنها مع ذلك ضعيفة التأثير في الحياة الاجتماعية. ولذا نرى ان المشكلات الناتجة عن اساءة التعامل ، لا يختلف عددها وحجمها بين بلد مسلم متدين وبلد غير مسلم او غير متدين. ونعلم على سبيل المثال ان السجناء في نزاعات مالية يعدون بالالاف ، وان قضايا العضل واساءة المعاملة للنساء والعمال والشرائح الضعيفة في المجتمع ،  تعد بعشرات الآلاف وليس المئات او الآلاف في كل عام.
هذا أمثلة نراها كل يوم ، وهي تخبرنا عن ضعف الصلة بين الارشاد والوعظ من جهة ، والتعاملات الواقعية بين الناس في حياتهم اليومية ، من جهة اخرى.
تتسم الحياة في المدينة بالسرعة والتعقيد وكثرة المستجدات. ان التغير هو السمة الرئيسية للحياة المدينية. ولهذا فهي تزداد تعقيدا وعسرا ، بقدر ما تدخل عليها من عناصر جديدة ، وأبعاد غير مألوفة في كل يوم. وهذا بدوره يؤكد الحاجة الى القانون الذي يشكل حدا نهائيا لحركة البشر والمال والاشياء ، كي لا يسقط الضعفاء في الزحام فتسحقهم الاقدام.
كان ارسطو  يعتقد ان الناس يطيعون القانون خوفا من العقاب ، لا حبا في الفضيلة. هذا تصور مبني على رؤية متشائمة للطبيعة البشرية ، كانت سائدة في الأزمنة القديمة. اني أعارض هذه الرؤية ، لأسباب قد اعرضها في وقت آخر. لكني اعترف بان بدائل القانون ، ومنها الوعظ ، ليست فعالة في هذه الاوقات. ولو كانت فعالة ومفيدة لكان اهل الأديان احسن حالا ، على الاقل في مجال التعاطي مع بعضهم البعض.  
ومن هنا ، فاني سوف اقبل – ولو على مضض - الرؤية الداعية لتحكيم القانون في كافة اجزاء الحياة المشتركة بين الناس ، بحيث يتوفر لدينا ضابط فعال لكل ما امكن من التبادلات داخل المجتمع. وسوف يكون علينا ابقاء الامر على هذا الحال ، حتى نعتاد على الاقرار بالحقوق الضرورية المتبادلة فيما بيننا ، عندئذ سيكون للوعظ محل.
الشرق الاوسط الأربعاء - 17 جمادى الآخرة 1441 هـ - 12 فبراير 2020 مـ رقم العدد [15051]
مقالات ذات علاقة 


17/07/2019

تلاميذ ارسطو




قدم ارسطو تنظيرا مفصلا نسبيا حول النظام الكوني وقانون الطبيعة ، منطلقا من الرؤية التي تبناها سقراط ، وهو زعيم المدرسة الفلسفية التي ينتمي اليها ارسطو. وقد ساد في الفلسفة اليونانية ، منذ بداياتها ، اعتقاد في عقلانية النظام الكوني ، وانبهار بالترابط الفائق الدقة والانضباط بين حركته وغاياته. انطلاقا من هذه القناعة سعى ارسطو ، الذي لقب بالمعلم الاول ، الى وضع ما يمكن اعتباره نظاما موحدا لحياة المجتمع البشري ، مستلهما من قانون الطبيعة. اعتقد ارسطو ان العلاقة التفاعلية بين اجزاء النظام الكوني ووحداته المختلفة ، تشكل انموذجا تحتذيه المجتمعات البشرية ، ان ارادت بلوغ غاياتها الكبرى ، لاسيما السلام والسعادة والكمال.  
نعرف ان الفلسفة المعاصرة قد تجاوزت آراء ارسطو. الا انه مازال يحوز الاعجاب بين شريحة عريضة نسبيا من قراء الفلسفة المحافظين ، الذين يجدون تنظيراته قريبة من اهتماماتهم. ويبدو ان هذا التقدير يجمع المحافظين من مختلف الأديان ، وحتى من غير المتدينين.
وأشير هنا الى نقطتين في نظرية ارسطو ، تشكلان عنصر توافق بين مختلف التيارات المحافظة: أولهما قوله ان المعايير والاخلاقيات التي تنظم الحياة الاجتماعية ، هي حقائق موضوعية غير قابلة للتغيير والتبديل. بمعنى انها ليست من صنع الناس ، وليس للناس حق في تبديلها وتعديلها. اما الثانية فهي اعتقاده ان الطبيعة أرادت للمجتمع ان يكون منظما على أساس هرمي ، وأن اهل الحكمة والعلم يحتلون أعلى الهرم ، حيث ان للمعرفة سلطة ذاتية على ما عداها. ان الدور الذي يلعبه العارفون وأهل الحكمة ، هو تربية  المجتمع وارشاده ، وتفسير حقائق الحياة ، وتطبيق المعايير والقيم الاخلاقية ، التي تنظم علاقات الافراد وحركة المجتمع ككل.
هذه الرؤية تجدها بنفس التفاصيل تقريبا ،  راسخة ضمن منظومة المسلمات الاخلاقية للتيار الاسلامي المحافظ ، والاتجاه التقليدي بشكل عام. فهم يدافعون عن فكرة التراتب الاجتماعي ، التي تبرر منح علماء الدين موقع التوجيه والارشاد للحركة الاجتماعية. كما انهم يؤكدون باستمرار على ثبات القيم والمعايير الاخلاقية ، اعتمادا على استدلال ديني واحيانا مجرد اشارات ، او ربما ظلال دينية.
أشرت الى ان الفلسفة الحديثة قد تجاوزت آراء ارسطو ، الخاصة بالتنظيم الاجتماعي والمعايير الاخلاقية والقانون.  فيما يخص التنظيم الاجتماعي فقد تم استبدال التراتب الهرمي بقيمة المساواة. هذا يعني ان وجود طبقات ومستويات قد يكون امرا واقعا ، لكنه لا يغير من حقيقة ان الناس جميعا متساوون ، في القيمة والحقوق. كما ان الرؤية الجديدة تميل الى الاعتقاد بان الاخلاقيات والمعايير والقانون ، امور يصنعها الناس كوسيلة لتنظيم حياتهم ، فاذا اقتضى العرف او المصلحة العامة تغييرها ، فانها تتغير بشكل لين وتدريجي ، حتى ان غالب الناس لا يلتفتون الى هذا التغيير الا بعد سنوات ، حين يعودن الى الماضي ويقارنونه بالحاضر.
ان الاعتقاد السائد بين الاجيال الحاضرة ، هو ان القيم ونظم العيش ، بما فيها تلك القائمة على اساس ديني ، يجب ان تلبي معايير العدالة والعقلانية الجديدة ، اي ان تخدم مصلحة ظاهرة لعامة الناس ، وان تكون متلائمة مع عرف العقلاء ، وبهذا تكون قابلة للاستيعاب والتحليل من جانب اي شخص عاقل.
اظن ان أبرز اعتراضات الجيل الجديد من المسلمين على الفقهاء ، سببه شعورهم بانفصال الفكرة الدينية عما يظنونه عادلا ومعقولا ، أي مفهوما بمقاييس العصر.
الشرق الاوسط الأربعاء - 14 ذو القعدة 1440 هـ - 17 يوليو 2019 مـ رقم العدد [14841] 

01/01/2013

اول الصراع بين دعاة الحداثة وحماة التقاليد

|| راى الحداثيون ان استقلالية الوجود الانساني وحرية الفرد في خياراته الحياتية اساس لمسؤوليته عن تلك الخيارات||.
المنطق الداخلي للثقافة التقليدية قائم على ذات الارضية التي ارساها الفيلسوف اليوناني ارسطو قبل 23 قرنا. وهو منطق اثر بعمق على تفكير قدامى الاسلاميين. وهيمن على التفكير الاوروبي حتى اواخر القرن السابع عشر. تصور ارسطو فردا تصنعه الجماعة، تشكل عقله وشخصيته ومسار حياته.
راى ارسطو ان بلوغ السعادة هو غاية الحياة الانسانية. والسعادة عنده ليست ظرفا سيكولوجيا يستشعره الفرد من خلال تحقيقه لذاته، بل هي وصف لمرحلة في تطور الانسان، تعرف طبقا لمعايير موضوعية لا يشارك الفرد في اختيارها او تشكيلها. الصفات الفاضلة ، الصحيح والخطأ، قيم ثابتة لا يخترعها الافراد. وتبعا لذلك فنحن لا نقرر ما هي السعادة التي نريدها. بل نلتزم بمفهومها وطريقها الذي حدده غيرنا، والا كان مصيرنا السقوط في الهاوية. الفرد اذن صنيعة المجتمع الذي يعيش فيه. هويته، شخصيته، وفضائله، كلها ثمار للعيش في الجماعة والخضوع لنظامها الثقافي.
هذه الرؤية هي الاساس الذي يبرر رفض التقليديين للتعددية الثقافية وحرية الراي والتعبير. المجتمع الفاضل في رايهم هو ذلك الذي تسوده ثقافة واحدة وخيارات محددة ، هي الخيارات التي يرونها فاضلة. ما سوى ذلك قد يشوش اذهان الافراد وقد يحرفهم عن طريق السعادة. وعليه فمن الخير للفرد ان يكون سعيدا ولو على حساب حريته.
لم تعد رؤية ارسطو مقبولة في عالم اليوم. المنطق الداخلي في الفلسفة الاخلاقية المعاصرة يقرر استقلال الفرد بهويته التي تجسد ذاته ، والتي تبقى حية حتى لو اندمج في مجتمع او تبنى عقيدة. وحسب تعبير كولين موريس فان جوهر الفردانية يكمن في التجربة النفسية التي أشعر معها بانه لا احد غيري هو انا، ولا احد غيري يرى الاشياء كما اراها.
راى الحداثيون ان استقلالية الوجود الانساني وحرية الفرد في خياراته الحياتية اساس لمسؤوليته عن تلك الخيارات. طبقا لهذه الرؤية فان فهم الانسان لعالمه يسير في اتجاهين متفاعلين : يتاثر الفرد بمحيطه، لكنه في نهاية المطاف يتخذ قراره بعقله المستقل عن المحيط. صحيح ان محيطي يؤثر في فهمي للاشياء ، كما يؤثر على قدراتي وافعالي. لكن قبولي بالانسياق مع المحيط او الاستقلال عنه هو ايضا قرار اتخذه باختياري واتحمل تبعاته بمفردي. طالما قبلنا بكون الفرد عاقلا، حرا، ومستقلا ، فان قراره يعكس ذاته الخاصة وليس تاثير الاخرين.
هذه الرؤية وتلك تتبناها تيارات تتصارع في مجتمعنا وفي غيره. ويتجلى الصراع في قضايا مثل الحريات الفردية والعامة، وفي تعريف "الضوابط" المسموحة ومستوى الضبط. في كل الاحوال فان جوهر الجدل يتناول موقع الفرد: هل هو مستقل مسؤول عن خياراته ، ام تابع للجماعة ، ذائب في بحرها.
مقالات ذات علاقة

تلاميذ ارسطو

شرطة من دون شهوات

كلمة السر: كن مثلي والا..!

المدينة الفاضلة

مدينة الفضائل

من محاسن المكيافيلية القبيحة

الموت حلال المشكلات

نافذة على فلسفة كارل بوبر

نفوسنا المنقسمة بين عصرين

الازمان الفاسدة والناس الفاسدون

هكذا انتهى زمن الفضائل

الهندسة وسخرية الاقدار

الاقتصادية 1-1-2013
http://www.aleqt.com/2013/01/01/article_721390.html

الوجه الآخر للكارثة

  ذكرى الاجتياح العراقي للكويت التي حلت هذا الأسبوع ، أثارت في نفوس العديد من أهل الرأي ، شعورا بالحاجة لاستعادة الدروس التي كان ينبغي استخ...