18/12/2025

من يصنع هويتك: انت أم الآخرون؟

توصل البروفسور يوناس فريسن ، بمعهد كاروليسكا في ستوكهلم ، الى أن اجسامنا تتغير كل يوم. ويتغير جسم الشخص البالغ كله تقريبا ، خلال فترة تتراوح من 7 الى 10 سنين. خلايا البشرة ، تتجدد كل أسبوعين تقريبًا. وخلايا الدم الحمراء ، تعيش أربعة أشهر. وخلايا الكبد تعيش ما بين 300 الى 500 يوم.

نحن لا نلحظ – على الأرجح – تغيرات اجسامنا. لأننا في الأساس لا نعرف الا القليل عن مئات الملايين من الخلايا ، التي تتألف منها اجسادنا. ولذا لا نلحظ فناء أي منها. لكننا نلاحظ بالتأكيد ان العالم الذي نعيش فيه ، يتغير باستمرار. كما تتغير معرفتنا بهذا العالم. تموت أشياء في ذاكرتنا ، وتحل محلها أشياء أخرى: الناس الذين نلتقيهم ، والتجارب التي نخوضها ، والمعارف التي نكسبها ، وساعات الحزن والفرح التي نمر بها.

  كثير ممن تأمل في مسألة الهوية ، بدأ من هذه النقطة على وجه التحديد ، من سؤال بسيط: أي سر وراء هذا الشعور العميق باستمرارية الهوية؟: نفسي التي عرفتها في الطفولة ، هي نفسي التي أعرفها اليوم ، وستظل معي حتى نهاية العمر. هذه إشارة أولى الى ان شخصيتي ، التي تتغير باستمرار في مسار الحياة ، تنطوي في الحقيقة على ماهية مزدوجة ، أي هويتين او مستويين من التعريف: الهوية الأولى التي تصاحبني منذ ان تعرفت للمرة الأولى على اسمي ولوني وجنسي وعائلتي ، وحتى نهاية حياتي. هذه العناصر تؤثر بعمق على نظرتي لنفسي ونظرة الاخرين لي. والهوية الثانية او المستوى الثاني ، الذي اكتسبته لاحقا من خلال التفاعل مع البشر الذي اتعرف عليهم ، والطبيعة المحيطة بي ، ومن تفكيري في ذاتي وفي عالمي او تفاعلي معه.

سؤال "من أنا" قد يشير الى الوجود المادي للشخص ، مثل كونه ذكرا او أنثى ، شابا صغيرا او شيخا كبيرا. لكن هذه الأوصاف ليست عظيمة الأهمية في ذاتها. انما ترتفع قيمتها أو تهبط ، تبعا لما تنطوي عليه من معان في رأي الناس الذين اتعامل معهم ، أي ما نسميه بالعرف العام. ومن هنا فنحن بحاجة لمعرفة المحيط الاجتماعي للشخص ، والقيم التي يلقيها على كل عنصر من مكونات هويته. على سبيل المثال ، نحتاج لمعرفة الموقف الاجتماعي من المرأة: في مجتمع مثل أفغانستان والعديد من المجتمعات الريفية التقليدية ، لن يسمح للمرأة بمعيشة معقولة خارج بيتها الخاص. اما في المانيا مثلا ، فيمكن لسيدة ان تصل الى منصب رئيس الدولة. هذا يشير الى معنى الفارق الجنسي في ثقافتين مختلفتين ، وما يتبعه من اختلاف جذري في نوع المعاملة للذكر والانثى في هذا البلد او ذاك. كذلك الحال لو كان الشخص ابيض البشرة في مجتمع غالب أعضائه من السود ، أو كان أسود البشرة في مجتمع أبيض. فارق اللون يترتب عليه فوارق في العلاقة بين الفرد والجماعة ، وبالتالي مكانة الفرد فيها وتوقعاته منها. وهذه العلاقة تسهم في تحديد فهم الانسان لنفسه وللمحيط الاجتماعي ، كما تسهم في تحديد الطريقة التي يستعملها الانسان في تقديم نفسه الى هذا المحيط.

يوضح المثال السابق دور (الآخرين) في تحديد القيم المؤثرة في تشكيل الهوية الشخصية. وسوف نتعرف تاليا على حقيقة ان مشاركة كل منا في تشكيل هويته ، مشروطة الى حد كبير بالحدود التي تفرضها البيئة الاجتماعية التي نتعامل معها. خذ مثلا العقيدة التي أدين بها ، واللغة التي أتحدثها ، والتي تؤثر بعمق في طريقة تفكيري واتجاهاته ، وكذا اللباس وطريقة العيش ونظام التعامل مع الناس ، أي مجموعة الأعراف والنظم التي تحدد لي ما يمكن فعله وما لا يمكن. فهذه كلها يستلهمها الفرد من الأشخاص المحيطين به. وبناء على فعل الفرد وانفعاله ، ورد فعل المحيط ، يتحدد موقع الفرد في النظام الاجتماعي والمعايير الناظمة لعلاقته مع الآخرين.

الشرق الأوسط. الخميس - 27 جمادى الآخرة 1447 هـ - 18 ديسمبر 2025  https://aawsat.com/node/5220662  

11/12/2025

بين هويتين .. مغلقة ومفتوحة

 صادفت هذا الاسبوع مقالين: أحدهما "الهوية الإسلامية والمؤامرة عليها" للدكتور ناصر دسوقي رمضان ، وقد نشر في 2009. اما الثاني فهو "الحق في الكرامة والهوية المغلقة" للدكتور عبد الجبار الرفاعي ، ونشر الأسبوع الماضي.

كلا المقالين يعالج مسألة مثيرة للجدل ، تنطوي في سؤال: هل يمثل الدين هوية خاصة لاتباعه ، تنفي الهويات الأخرى او تزاحمها ، ام انه ، على العكس: هوية مفتوحة ، تتفاعل مع غيرها ، او على الأقل تقبل مجاورتها والتداخل معها؟.

عبد الجبار الرفاعي

القائلون بأن الدين هوية متفردة ، يعتبرون السؤال ذاته دينيا. أي ان الهوية ، من حيث المبدأ ، موضوع ديني ، وينبغي ان يأتي تكييفه من داخل الدين. بناء على هذا فان الدين يضع نفسه وأتباعه في دائرة خاصة ، تفصلها حدود واضحة عن بقية الانتماءات ، بما فيها الانتماء العائلي والقبلي والمهني والسياسي والقانوني وغيره. هذه الحدود ليست مجرد اختلاف في الأفكار ، بل مخالفة في النظام الاجتماعي والتراتب وحتى نمط العيش.

أما التصور الثاني فيقود منطقيا الى الاستنتاج ، بان الدين - في ذاته - أداة تواصل او موضوع تواصل بين المختلفين. وفقا لهذه الرؤية فان الانتماء للدين ، يعني ان تصعد الجسر الذي يوصلك الى بقية الخلق ، بشرا ونباتا وحيوانا وجمادا ، من خلال استيعاب النظام الكوني الذي خلقه الله وسخره للإنسان ، والقيم العليا التي يقبلها كافة بني آدم ، بغض النظر عن أديانهم وأعراقهم او بلدانهم.

يركز الفريق الأول على "تمايز" المسلمين عن غيرهم. وهو يصرف هذا التمايز الى مختلف أطراف الحياة. لكنه - في التطبيق – يقصر اهتمامه على التمايز المظهري ، كما في اللباس واللغة والهيئة وأمثالها. وبناء على التمايز ، فانه يرجح الانقطاع او حتى المنازعة ، كمضمون للعلاقة مع المختلفين ، ولا سيما اتباع الأديان التي تبدو منافسة. وفي الوقت الراهن يمثل الصراع مع الغرب الثقافي والحضاري ، مادة أثيرة للنقاش والتعبئة عند أهل هذه الرؤية ، لكنه – لنفس السبب المذكور – صراع يدور حول الجوانب المظهرية ، وليس – على سبيل المثال – الاقتصاد والعلم والابتكار وحقوق الانسان وامثالها. كما ينظر للغرب باعتباره مسيحيا او يهوديا ، أي دينا منافسا ، وليس باعتباره حضارة مختلفة ، يمكن التفاعل معها او الاستفادة من تجربتها.

في المقابل يدعو الرفاعي لهوية منفتحة ، تسمح بمشاركة الاخرين ، بمن فيهم اتباع الأديان الأخرى ومن لا يتبع دينا على الاطلاق. ويرى ان النموذج الذي يعرضه القائلون بتفرد الهوية الدينية ، قد ساهم في تحويل الدين الى أيديولوجيا مغلقة ، أشبه بقلعة ، يتعارف الناس في داخلها ، وينكرون المختلفين الذين في خارجها.

تقديم الدين كهوية منفتحة ، وقادرة على التفاعل مع الهويات والأديان والايديولوجيات المخالفة ، يعني ان الجوانب المظهرية والشكلية ، أي تلك العناصر الحياتية التي تميز المسلمين عن غيرهم ، ليست جزء من جوهر الدين ، بل هي وعاء لحياة اتباعه ، يرتبط بظرفهم المعيشي فحسب.

هذا المفهوم مقبول من حيث المبدأ ، في الماضي والحاضر ، ونعرفه باسم تأثير الزمان والمكان في الاجتهاد ، وقابلية الاحكام الشرعية للتشكل بحسب ضرورات الظرف الخاص للمكلفين. لكن هذه القاعدة ، أي تأثير الزمان والمكان ، لم تتحول الى قاعدة حاكمة ، بل بقيت هامشية في معظم العمل الفقهي المعاصر. وتظهر هامشيتها في جعل نصوص الكتاب والسنة ، متراسا لمنع التصرف في الاحكام التي لم تعد مناسبة لحاجات المسلمين وضرورات حياتهم المعاصرة. فكلما احتاج المسلمون الى حكم جديد ، بحثوا في منطوق النص وليس في حكم العقل كما يفترض.

اعتقد ان القول بالهوية المنفتحة ، يسنده أصل سابق للدين ، وهو اعتبار التعرف والتعارف وكسب المعرفة ، علة لخلق الناس مختلفين ، كما ورد في التنزيل الحكيم "وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا". فهل يمكن للدين ان يلغي علة من علل الخلق والتكوين الرباني؟.

الخميس - 20 جمادى الآخرة 1447 هـ - 11 ديسمبر 2025 م

https://aawsat.com/node/5218228

مقالات ذات صلة

أزمة هوية؟
اشكالية الهوية والتضاد الداخلي
 اعادة بناء القرية .. وسط المدينة
الاقليات والهوية : كيف تتحول عوامل التنوع الى خطوط انقسام في المجتمع الوطني
أن نفهم الآخرين كما هم لا كما نتصورهم
بين هويتين
تأملات في حدود الفردانية
تكون الهوية الفردية
جدل الهوية الفردية وتأزماتها
حزب الطائفة وحزب القبيلة
حول أزمة الهوية
حول الانقسام الاجتماعي
الخيار الحرج بين الهوية والتقدم
الدين والهوية ، خيار التواصل والافتراق
سجناء التاريخ
عن الهوية والمجتمع
فيديو : نادر كاظم وتوفيق السيف حول اشكالات الهوية
القبيلة والطائفة كجماعات متخيلة
كيف تولد الجماعة
الهوية المتأزمة


04/12/2025

قصة أبينا آدم

في يناير 1998 نشر الدكتور عبد الصبور شاهين كتابه "أبي آدم.. قصة الخليقة بين الأسطورة والحقيقة" فأثار ضجة واسعة بين الملتزمين بالرؤية التقليدية للخلق. ورفعت دعاوى عديدة أمام المحاكم ، طالب بعضها بمنع الكتاب ومصادرته ، وطالبت أخرى بالحكم على المؤلف بالردة أو الاستتابة من الكفر. ونقل شاهين طرفا من هذا الجدل في الطبعات التالية للكتاب.

لم يكن شاهين متخصصا في البيولوجيا أو الوراثة أو تاريخ الانسان. ولذا يصعب اعتبار عمله علميا ، من هذه الزاوية. لكنه خبير في اللغويات والتراث الإسلامي. وقد استثمر خبرته في إعادة تفسير القرآن والسنة النبوية ، للتدليل على رؤيته المعارضة للفهم الموروث لقصة الخلق الأول. وهو يرجع اهتمامه بهذا الموضوع ، الى رغبته في تنظيف التراث مما أسماه التفسيرات المتأثرة بالاسرائيليات والخرافة ، بالاعتماد على قراءة جديدة لمصادر الدين نفسه. يقول في مقدمته للطبعة الثانية:

"أردت أن أدق رأس الأفعى الإسرائيلية اللابدة في الثقافة الإسلامية القديمة ، ممثلة في ما سمي بالإسرائيليات ، وهي لا تعدو أن تكون أساطير خرافية ، تسللت إلى الفكر الإسلامي ، وإلى عقل الإنسان المسلم ، فاعتمدها أئمة من أهل التفسير. ومن خلال تلك التفاسير ، سكنت في منطقة المسلمات من العقل المسلم ، وهي في الواقع أفعى إسرائيلية ، اعتنقها كثير من الرجال ممن لم يعملوا عقولهم في تحليل نصوص القرآن".

الفرضية المحورية للكتاب ، هي التمييز بين البشر كجنس قديم ، والانسان كجنس حديث. وقال ان آدم ابن لرجل وامرأة من البشر ، وهو أبو الانسان وليس أبا البشر ، ويتميز الانسان عن سلفه البشري بما ذكره القرآن ، من أوصاف كالعقل وحسن التقويم واحتوائه نفحة من روح الله ، وهذه كانت مفقودة في البشر السابق له.

نصر حامد ابو زيد

حديث الدكتور شاهين هذا ليس الأول من نوعه. لكنها على الارجح ، المرة الأولى التي نشهد فيها عالما مسلما ، يعارض علنا التفسير المتوارث لقصة الخلق ، مستندا إلى النص الديني نفسه. وهو في هذا يواجه كافة المفسرين والمؤرخين المسلمين.

ويبدو ان شاهين لم يتوقع رد الفعل العنيف الذي قوبل به ، فهو أكاديمي عريق وكان اماما لمسجد شهير في القاهرة. ولهذه المناسبة قالت الصحف المصرية انه شرب من ذات الكأس التي سقاها زميله د. نصر حامد أبو زيد ، الذي كان قد اقترح قراءة جديدة للنص القرآني ، على ضوء "الأفق التاريخي للمتلقي" وهو المنهج المعروف بالهرمنيوتيك الفلسفي ، الذي يركز على مبدأ التواصل بين النص والقاريء ، وإمكانية العبور من اللفظ الظاهر الى الرسالة الداخلية التي يختزنها النص. المضمون الداخلي – وفقا لهذه الرؤية - متعدد المستويات ، ويتأثر فهمه بالظرف الخاص للقاريء ، أي ظرفه الزماني والاجتماعي والتحديات التي يواجهها ، فضلا عما يتوقعه من وراء القراءة وعلاقته بصاحب النص.

تفجرت قضية أبو زيد حينما قدم طلبا للترقية الى رتبة أستاذ في جامعة القاهرة. فقرأ شاهين ابحاثه ، وقرر انها تنتهك قواعد التفسير والكلام الديني ، وتساوي بين كلام الله وكلام خلقه وتسمح بنقد القرآن. وقيل انه سرب هذه الاتهامات الى الصحافة ، التي حولت أبو زيد الى مرتد ومناويء للدين في نظر عامة الناس. ثم رفع احد المحامين دعوى امام المحكمة ، تطلب إعلان ردته وفسخ زواجه ومصادرة أمواله ، مما اضطر أبو زيد لهجران بلده الى هولندا ، حتى وفاته قبل شهرين من وفاة غريمه.

قبل كتابه "أبي آدم" التزم عبد الصبور شاهين بأعراف التيار الديني التقليدي. ولم يظهر ميلا واضحا لمراجعة التراث الإسلامي او نقد الافهام الموروثة. في شبابه المبكر ترجم كتابين لمالك بن نبي ، يتضمنان رؤية نقدية للثقافة السائدة. لكنه سرعان ما اختلف معه. ولذا يمكن القول ان "ابي آدم" كان استثناء في المسار العام لمنهجه الفكري ، وخصوصا دعوته للتحرر من تقاليد قدامى المفسرين. هذه الدعوة تقارب رؤية نصر حامد أبو زيد. فهل كانت معركته معه مدخلا لتغيير رؤيته لمنهج التفسير بشكل عام؟.

 

الخميس - 13 جمادى الآخرة 1447 هـ - 4 ديسمبر 2025 م

https://aawsat.com/node/5215773

من يصنع هويتك: انت أم الآخرون؟

توصل البروفسور يوناس فريسن ، بمعهد كاروليسكا في ستوكهلم ، الى أن اجسامنا تتغير كل يوم . ويتغير جسم الشخص البالغ كله تقريبا ، خلال فترة تتراو...