‏إظهار الرسائل ذات التسميات التمييز العنصري. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات التمييز العنصري. إظهار كافة الرسائل

07/05/2026

تصنيف الناس سلوك طبيعي.. ماذا عن الكراهية؟

"كل المثقفين هكذا .. يتفلسفون في كل مسألة ، يطيلون الكلام في كل زاوية. والنتيجة؟..  تاثيرهم صفر..". هكذا علق أحد القراء الأعزاء على مقالة الأسبوع الماضي ، التي – لسوء الحظ – انتقدت التعميم ، ولا سيما السلبي منه. والتعميم كما أشرت هو ان تأخذ انطباعا عن شخص او عدد من الأشخاص ، ينتمون الى فئة محددة ، ثم تصدر حكما على جميع افراد تلك الفئة. مثال ذلك ان ترى كاتبا او بضعة كتاب يتفلسفون ، او يطيلون القول في مسائل بعينها ، فتحكم بأن كافة الكتاب يفعلون الشيء نفسه ، وان هذا الفعل سيء.

محافظة حولي - الكويت

حسنا .. هل يمكننا الخلاص من ظاهرة التعميم او التنميط المتحيز ، خصوصا الذي ينطوي على محتوى سلبي او معاد لفئات بأكملها؟.

أشار مقال الأسبوع الماضي لشهادة الاديب الإنكليزي "شارلز لام" الذي يقول "أنا كتلة من التحيزات ، من الحب والكراهية والتعاطف واللامبالاة". والحق ان هذا هو وأنا وأنت. انها سمة راسخة عند أغلب الناس ، وربما جميعهم.

يبدأ التحيز بطريقة تنسيق المعلومات في ذهنك. مثلا: حينما ترى سيارتين ، المانية وصينية ، فسوف تستدعي حكما ذهنيا سبق تخزينه في ذاكرتك عن التكنولوجيا الألمانية والصينية ، وسوف تنظر للاولى بوصفها اعلى واقوى من الثانية. ترى .. كيف عرفت ان السيارة التي امامك تحمل نفس الصفات المخزونة في ذاكرتك؟. لعل التي قدرت انها افضل ، أقل من نظيرتها في الواقع.

هذا معروف لنا جميعا. لكننا – مع ذلك – لا نلتفت للاحكام التي نصدرها على الناس والأشياء التي نصادفها كل يوم تقريبا ، أعني  احكامنا المستمدة من قوالب في الذهن ، وليس من ملاحظة عينية مباشرة للشخص او الشيء الذي أمامنا.

التصنيف الذهني للمعلومات والاحكام نشاط عفوي ، لا يمكن تفاديه. لكنه قابل للمراجعة والتحكم. وهكذا يمكن تصفيته بين حين وآخر ، على ضوء ما نتوصل اليه من معلومات أو آراء جديدة ، شرط أن يرغب الانسان في المراجعة والتصحيح.

يصنف العقل ما يصله في قوالب (او أدراج). فكلما وصلته معلومة مقاربة ، اضافها لذلك الدرج وختمها بطابعه.

وأذكر حادثة تشير للتنميط العفوي ، حين ذهبت قبل سنوات الى مدينة "حولّي" في الكويت ، لزيارة صديق. فلم اعثر على مكانه ، فعرضت العنوان على صاحب دكان هناك ، فقال لي ان كان الذي تبحث عنه كويتيا ، فلن تجده هنا مطلقا. الكويتيون لا يسكنون هنا. وحين عثرت على الصديق في نهاية المطاف ، قال لي ان هذا هو الانطباع العام فعلا ، مع انه غير دقيق.

يتجسد التنميط في الحياة الاجتماعية ، على شكل ميل عام لدى الناس للتقارب مع من يشترك معهم في الثقافة او الانتماء العرقي او الديني ، وكذلك الذين لديهم ذاكرة مشتركة ، مثل زمالة دراسية او مهنية.. الخ. وحسب ملاحظة البروفسور البورت الذي اشرت في الأسبوع الماضي الى كتابه "طبيعة التحيز" فان السلوك العام للبشر ، هو انضمام الفرد الى الجماعة التي يجمعه بها عدد اكبر من المشتركات الثقافية او البيولوجية. في كل بقاع الأرض ، يجتمع الناس مع اشباههم "يتزاوجون ، يأكلون ويلعبون ويسكنون في تجمعات متجانسة". يميل الناس الى اشباههم كي يستغنوا عن الجهد الضروري لصناعة علاقاتهم ، وإعادة التفكير في سلوكهم ، او التصرف بتحفظ ، لو كان المحيط من الغرباء.

هذا الميل الطبيعي يؤكد ان الانسان يميل للاتجاه الذي يعرفه سابقا ، او الذي قام بتعريفه سابقا. وينطبق هذا على نظرته للناس والاشياء الذين يصادفهم لأول مرة.

ان وافقتني على هذا التحليل ، فلا بد انك تتساءل: طالما كان التنميط سلوكا طبيعيا عند البشر ، فلماذا نشعر بالقلق ، ولماذا نتحدث عنه كأمر غريب؟.

الجواب هو الذي نعرفه جميعا: ما نخشاه هو التنميط السلبي ، الذي يجعلنا نصدر احكاما تنطوي على كراهية للآخرين ، وتجعلنا نقف في صف اهل الكراهية ، بدل ان نقف مع اهل المحبة ، اليس كذلك؟.

 

الشرق الأوسط الخميس - 20 ذو القِعدة 1447 هـ - 7 مايو 2026 م   https://aawsat.com/node/5270451

مقالات ذات علاقة

 اخبرني من اثق به...

الاصلاح يبدأ من الخارج
أصنام الحياة
حزب الطائفة وحزب القبيلة
كهف الجماعة
كيف تولد الجماعة
الاصلاح يبدأ من الخارج
أصنام الحياة
حزب الطائفة وحزب القبيلة
كهف الجماعة
كيف تولد الجماعة
أين ترى نفسك .. بين المحبين ام الكارهين؟
لماذا تنحاز للرأي السائد بين قومك؟
مجتمع العقلاء
حين تكون في "الجماعة" وحين تصبح خارجها
المساواة: النقاشات الحديثة في المفهوم وتطبيقاته


30/04/2026

أين ترى نفسك .. بين المحبين ام الكارهين؟

الأفكار التي أعرضها اليوم مستقاة من كتاب "طبيعة التحيز The Nature of Prejudice" لعالم النفس الأمريكي غوردون البورت ، وهو مرجع كلاسيكي في هذا الحقل.

غوردون البورت

اطلعت على الكتاب منذ زمن بعيد. وقد ذكرني به ما أرى من ملاسنات على مواقع التواصل الاجتماعي ، حول مسائل معقولة وغير معقولة ، يشارك فيها شبان صغار ، ورجال أو نساء يفترض انهم ناضجون ، من كافة الدولة العربية دون استثناء. وتتداخل فيها موضوعات كالحرب الدائرة بين ايران والولايات المتحدة ، والحرب على غزة ، ومشكلات السودان وسوريا والخلافات الدائرة بين هذه الدولة العربية وتلك. كما تستخدم فيها قصص صحيحة او متخيلة عن نزاعات شخصية ، فتعمم على اهل البلد كله. رأيت – على سبيل المثال - شخصا ينادي بطرد كافة المواطنين الهنود في الخليج ، لأنه خسر وظيفته لصالح شخص هندي. وعلق آخر قائلا أن الأولى طرد مواطني دولة عربية معينة ، لأن حكومتهم لم تتعاطف معنا في الأزمة. ورأيت شخصا يدعو لمنع سفر الفتيات بمفردهن ، لأن فتاة من بلده تصرفت في المطار على نحو يسيء لسمعة البلد. وعلق احدهم على أخبار سحب الجنسيات في الكويت ، بأن على الحكومة اسقاط جنسيات كافة الفنانين والفنانات ، لأن الفقهاء اتفقوا على انكار الفن. لا استطيع بطبيعة الحال ذكر التفاصيل. لكني واثق ان الذين يتابعون وسائل التواصل الاجتماعي يعرفونها. وغرضي هو التنديد بهذه الظاهرة ، وليس التوسع في شرحها. ان اتساع تلك الملاسنات وتنوعها ، دليل على أنها ليست عابرة ، وليست أخطاء فردية او محدودة.  

لا أريد أيضا تهويل الموضوع ، ولا تصوير المجتمع العربي كما لو انه يعيش "حرب الجميع على الجميع"  حسب وصف توماس هوبز. أتفهم حقيقة ان أصحاب الأصوات العالية قلة ، لكن تأثيرهم واسع النطاق.

بالعودة للبروفسور البورت ، فهو يبدأ كتابه بشهادة للأديب الإنكليزي شارلز لام: "أقر بأني ألاحظ الفوارق بين الناس ، القومية والفردية وغيرها. بكلمات بسيطة ، أنا كتلة من التحيزات ، من الحب والكراهية والتعاطف واللامبالاة".

أورد الكاتب هذا الشاهد كي يقول ان التحيز ليس ظاهرة غريبة ، بل سمة طبيعية في البشر. لكن الغريب فيها هو تحولها الى موقف عام ومبرر للعدوان على الغير أو احتقارهم. ويذكر في هذا الصدد قصة (أظن ان كثيرا منا قد لاحظ شبيها لها):

في روديسيا ، مر سائق شاحنة أبيض بجمع من الأفارقة العاطلين عن العمل. فهمس قائلًا: "إنهم كسالى متوحشون". بعد ساعات قليلة ، رأى جمعا مماثلا يرفعون أكياس حبوب يزن بعضها 90 كغم على شاحنة ، وهم يغنون بحماس. فتمتم قائلا: "متوحشون! ماذا تتوقع منهم؟"

هذا السائق كان يحتقر الافارقة ، فحكم عليهم أولا بالكسل والوحشية لانهم لا يعملون ، ثم حكم عليهم بالوحشية لانهم يعملون بحماس. نعلم طبعا ان حكمه مدفوع بالتحيز ، وليس وصفا محايدا او موضوعيا. ولو كان الأشخاص الذين رآهم من نفس عرقه ، فلربما تعاطف معهم. ولو فكر في عملهم بذاته ، دون ملاحظة لون بشرتهم ، فلربما اصدر احكاما متفاوتة في الحالتين.

من هنا يرى البورت ان ابسط تعريف للتحيز ، هو انه "سوء الظن بالآخرين دون مبرر كاف". هذا يركز على التحيز السلبي. كما يستشهد بتعريف قاموسي يذكر الجانبين السلبي والايجابي: "التحيز شعور إيجابي أو سلبي ، تجاه شخص أو شيء ، لا يستند لتجربة فعلية".

الجانب الأكثر سوءا في التعصب او التحيز ، هو تحويل انطباع عن عدد قليل من الأشخاص ، الى موقف عام ضد شعب بأكمله.

نعلم ان مثل هذا الموقف ، مرجعه ميل الانسان للاحكام المبسطة ، طالما كانت مقبولة في المحيط الاجتماعي. المشكل ان التعبير السلبي عن التحيز او التعصب ، يضعه في خانة الكراهية. وهذا يستدعي ان نسأل انفسنا دائما: أين نود الاصطفاف .. بين اهل المحبة او بين اهل الكراهية؟.

الشرق الأوسط الخميس - 13 ذو القِعدة 1447 هـ - 30 أبريل 2026 م https://aawsat.com/node/5268035

مقالات ذات صلة

العدالة الاجتماعية وتساوي الفرص
العدالة كوصف للنظام السياسي
الليبرالية في نسخة جديدة: رؤية جون رولز
مجتمع العقلاء
حين تكون في "الجماعة" وحين تصبح خارجها
المساواة: النقاشات الحديثة في المفهوم وتطبيقاته

20/10/2021

شعب الله المختار

 

 خلال السنوات الاخيرة من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ، وبالتحديد بين عامي 1882 و 1924 انشغلت الولايات المتحدة الامريكية بحديث عنوانه "تحسين الوعاء الجيني للامة الامريكية". وفحوى هذا الحديث ان تلك البلاد الواسعة ، لا تستطيع التحول الى أمة واحدة متماسكة ، اذا استمر المهاجرون "الاغراب" في التدفق على اراضيها. البديل الذي يدعو اليه اصحاب هذا الراي ، هو منع المهاجرين المتحدرين من اصول متدنية ، وقصر الهجرة على الآتين من مجتمعات تشارك الامريكان في صفاتهم البيولوجية.

منشور للجماعات العرقية: تحقق من سلامة البذور (الجينات) قبل ان تزرع

استفاد الداعون الى تلك الفكرة من تيار متصاعد في الوسط الاكاديمي ، يدور حول ما اطلق عليه لاحقا اسم "الحتمية البيولوجية" ، وفحواها باختصار انه مثلما تنتقل الصفات البدنية ، كلون البشرة والشكل العام للجسم ، من الاباء الى الابناء ، بواسطة الجينات ، فكذلك الصفات السلوكية والذهنية. فالعائلات الذكية المهذبة تورث هذه الصفات لابنائها ، ثم لاحفادها. كما ان المنحدرين من آباء اغبياء او مجرمين ، سيحملون أيضا صفات آبائهم.

وعلى ارضية "تحسين الوعاء الجيني للأمة" تبنت 28 ولاية امريكية قوانين تسمح بالتعقيم الجبري للافراد المصنفين كفاشلين او معوقين جينيا ، خلال الفترة من 1912 و 1931.

 لكن الغريب في الأمر ، ان اول ضحايا قوانين الهجرة الجديدة ، هم المهاجرون من جنوب وشرق أوربا. ونعرف ان هؤلاء يشبهون الامريكان في معظم صفاتهم البدنية والثقافية ، فهم بيض البشرة ومسيحيون. ويبدو ان العامل الحاسم وراء هذا الاختيار هو العامل الطائفي/المذهبي ، فسكان شرق اوربا وجنوبها الشرقي ينتمون الى الكنيسة الكاثوليكية او الارثوذكسية ، بينما كانت البروتستنتية هي الدين الغالب في الولايات المتحدة الامريكية.

وتكشف النقاشات التي جرت وقتذاك ، عن التداخل الذي يحدث كثيرا (بشكل مقصود أو عفوي) بين الكراهية التي مصدرها خلافات دينية ، وبين الدعاوى العلمية (السليمة او الباطلة) وبين السياسة ونزاعاتها ، على نحو يجعل التعبير عن الكراهية للغير ، نوعا من سرد الحقائق الواقعية ، او الاشارة لمسلمات دليلها في ذاتها ، فلا تحتاج الى اي إثبات. ولهذا السبب ايضا يمارسه كافة الناس ، المثقفون والعامة على السواء.

يمثل الجدل حول تمايز الاعراق في الولايات المتحدة ، مثالا جديرا بالتأمل ، بالنظر الى ان الشعب الامريكي يتألف كله من المهاجرين ، وان اي جدل في هذا السياق ، سيؤدي – بالضرورة – الى اساءة لمعظم السكان. صحيح ان غالبية المهاجرين الأوائل كانوا من الشعوب النوردية (المنحدرين من شمال اوربا وغربها) ، إلا ان الاغراق في الجدل ، كان سيؤدي في نهاية المطاف الى منزلق المفاضلة بين النوردي الصافي والنوردي المختلط ، بين القادم من شمال اوربا والقادم من وسطها او شرقها. ومن هنا فسرعان ما انعكس ذلك الجدل على المواقف السياسية ، وانكشف للنخبة خطورة المضي فيه.

لحسن الحظ فان العالم قد تخلص من التيارات الداعية الى الصفاء العرقي او الديني ، او الى تفوق عرق بعينه او بلد بعينه او دين بعينه. صحيح ان العالم لا يخلو من دعاة لهذه الأفكار ، وصحيح انه لا زال بين الجمهور من يتقبل تلك الأوهام الخطرة ، لكن الصحيح أيضا أن النظام الدولي يميل بشدة الى نبذ هذه الدعوات ، حتى لو كانت مخففة. كما ان الغالبية العظمى من سكان العالم ، باتت مدركة للمخاطر التي ربما تترتب على هيمنة هذا التيار على مصادر القوة في اي بلد.

الشرق الاوسط: الأربعاء - 14 شهر ربيع الأول 1443 هـ - 20 أكتوبر 2021 مـ رقم العدد [15667]

https://aawsat.com/node/3255411/

03/06/2020

الانسان الذئب؟....

الغرض من هذه المقالة هو مجادلة فكرة "الانسان الذئب" التي اشار اليها زميلنا الاستاذ يوسف ابا الخيل ، في سياق تعليقه على الغضب المتفجر في المدن الامريكية اثر مقتل الشاب الاسود جورج فلويد قبل 10 أيام. اني اعارض هذه الفكرة ، لانها تحولت بالفعل الى مبرر للتجبر والقسوة واحتقار الضعفاء.

وردت عبارة "الانسان ذئب الانسان" في نص مسرحي للكاتب الروماني تيتوس م. بلاوتوس ، وحظيت بشهرة اكبر حين رد عليها الفيلسوف الروماني لوكيوس سينيكا الذي عاصر السيد المسيح وتوفي في 65 للميلاد. ثم استعملها الفيلسوف الانجليزي توماس هوبز  ( 1588- 1679م) كعنصر تأسيسي في نظريته السياسية. ونشرها في كتابه "لفاياثان" الذي يعرض هذه النظرية. وأظن ان ورودها في هذا الكتاب ، قد أعطاها رواجا استثنائيا ، لأنه يعد واحدا من اهم النصوص المرجعية في علم السياسة الحديث.

هذه الفكرة تقول ببساطة ، ان الانسان في طبعه الاولي ، أميل للشر والفساد. ولو ترك وشأنه فسوف يختار مايشبع غرائزه ويلبي شهواته الانانية ، ولو على حساب الغير. فاذا اجتمع جمهور كبير ، كان احتمال ميلهم للفساد اكبر  ، نظرا لدخول عامل افساد اضافي هو "عامل الندرة" الذي يعرفه الاقتصاديون. وتبنى هذه الرؤية "ارسطو" الفيلسوف اليوناني (توفي 322 قبل الميلاد). وقرر بناء عليها  ان الناس لايطيعون القانون حبا في الفضيلة ، بل خوفا من العقاب.

بقي الحديث عن الطبع الاولي للانسان ، عنصرا  ثابتا في الفلسفة السياسية ، لزمن طويل جدا ، رغم انه لم يحض بحصة ملائمة من البحث النظري. وحسب تقدير البروفسور غاري برنت ماديسون ، فان اي نظرية حول المجتمع السياسي ، اي حول البشر بوصفهم فاعلين في الحياة العامة ، هي بصورة مباشرة او غير مباشرة ، نظرية حول طبيعة الانسان ذاته.    (G. B. Madison, The Logic of Liberty (Greenwood Press, 1986), The Introduction.

وارى ان الصحيح هو القول بان اي نظرية من هذا النوع ، يجب ان تبدأ بموقف ميتافيزيقي ثابت حول طبيعة الانسان ، سيما اذا كان محور النقاش ، هو استعمال القوة ومحدداته ، من جانب هيئة مشروعة كالدولة ، او غير مشروعة كالميليشيات الاهلية.

لقد اثرت رؤية ارسطو على التفكير الديني والسياسي ، في المجال المسيحي والاسلامي. وقد لاحظت في ابحاث سابقة ، ان فكرة الانسان الذئب ، كانت خلفية لآراء العديد من علماء المسلمين ، منذ القرن الحادي عشر الميلادي حتى وقت قريب. ومن بينهم مثلا ابو الفتح الشهرستاني (ت-1153م) في كتابه الشهير "الملل والنحل" ، كما استعملها ابو جعفر محمد بن الحسن الطوسي  (ت-1068م) في سياق تبريره لفكرة الامامة الدينية. لكن الجدالات التي أثارها كتاب هوبز في المجال الاوروبي ، انتهت الى تقويض الفكرة ، وهيمنة الاعتقاد في خيرية الانسان وصلاح فطرته.

تحدث هوبز عن فكرة الانسان الذئب ، ضمن سعيه لوضع نظرية تفسر سبب قيام السلطة السياسية. وقد بدأ بوضع فرضية فحواها ان الظرف الاجتماعي السابق لقيام الدولة ، كان ظرف اضطراب وتقاتل بين الناس. لكنه استدرك بالقول ان الانسان عقلاني بطبعه ، قادر على احتساب عواقب افعاله. من هنا تنادى الناس الى انشاء هيئة تمثلهم وتنوب عن مجموعهم ، في منع عدوان بعضهم على بعض ، وهي الدولة.

نظرية هوبز هي المرحلة الاهم في فلسفة الدولة الحديثة. لكن تبريره فكرة الدولة المطلقة ، التي تسير بموجب هوى الرئيس وليس القانون ، لم يكن مقبولا على الاطلاق. وما يدعو الى مناقشتها اليوم ، هو انها امتداد لتراث عميق التأثير في الثقافة العربية والاسلامية الحاضرة. وهناك بالطبع بدائل افضل منها واكمل. وهذا موضوع سنعود اليه في قادم الايام.

الشرق الاوسط  الأربعاء - 11 شوال 1441 هـ - 03 يونيو 2020 مـ رقم العدد [15163]

https://aawsat.com/node/2314621/


13/12/2017

الاموات الذين يعيشون في بيوتنا (الجذور)


فوجيء اليكس هيلي بالترحيب الهائل الذي حظيت به روايته "الجذور" حين نشرها في 1976. تصويره المفجع للمآسي والآلام التي عاشها السود في الولايات المتحدة ، تنطوي على اتهام مباشر ومحدد ، فحواه انه يتوجب على المجتمع والدولة الامريكية ، اتخاذ المزيد من الاجراءات الضرورية للخلاص من ارث التاريخ المعيب. 
تاثر هيلي بموقف مالكوم اكس ، داعية الحقوق المدنية الشهير ، وفحواه اننا نحتاج لمعرفة تاريخنا كي نتصالح مع الحاضر. خيالات الماضي وأحزانه وما ورثناه من اسباب للريبة والقلق ، لا تعيننا على صنع حاضر يليق بنا ولا مستقبل يعكس قدراتنا. علينا ان نعرف ذلك التاريخ المؤلم ، ثم نتجاوزه.
"الجذور" ليست دراما خيالية ، فهي مبنية على تاريخ حقيقي ، جمع هيلي شتاته ، وقدمه من خلال ما يشبه سيره شخصية لكونتا كينتي ، الشاب الذي خطفه تجار العبيد من قرية على ساحل افريقيا الغربي عام 1776، وبيع الى مزارع امريكي في ميريلاند  ، ثم بيعت ابنته ، وكان اليكس هيلي واحدا من احفادها.
بيع من الرواية نحو 6 ملايين نسخة ، وترجمت الى 35 لغة رئيسية. كما حولت الى مسلسل تلفزيوني شاهده الملايين حول العالم. في تلك السنوات ، تساءل كثير من النقاد: ما الذي يجعل الناس مغرمين بالعودة الى التاريخ؟. هل لأننا نستمتع بالشعور بان البشرية قد نجحت في تجاوز ظلمات الماضي ، أم اننا نحاول التعرف على ذواتنا العميقة من خلال البحث عن تحولاتها القديمة.
هذا السؤال يتمتع بأهمية اكثر في المجتمع العربي ، لأننا بساطة لانتعامل مع التاريخ كتجربة ثقافية. ان تاريخنا جزء من حياتنا اليومية. فهو يسهم بنصيب وافر في تشكيل رؤيتنا لأنفسنا وللعالم الذي نعيش فيه. وكان صديق لي يقول ان علاقتنا بالتاريخ اكثر من معرفة: "نحن نحمل اجساد اسلافنا على اكتافنا. نعيش معها ونستمع اليها ، وقد نتحدث اليها أحيانا".
 اظن ان الشوق للتاريخ يتأثر بواحد من أربعة دوافع. بعض الناس يذهبون للتاريخ مثلما يزورون المتاحف ، غرضهم المعرفة او الاستمتاع بتجربة حياتية مختلفة عما اعتادوه. وثمة من يزور التاريخ سعيا للخلاص من مشكلات راهنة ، لكن جذورها ممتدة للماضي. من ذلك مثلا مطالبة الأرمن للحكومة التركية بالاعتذار عما قيل انه إبادة جماعية نفذها العثمانيون في 1915 ، ومطالبة الجزائر ودول افريقية للحكومة الفرنسية بالاعتذار عما جرى من فضائع خلال الحقبة الاستعمارية. يريد هؤلاء الخلاص من ذكريات التاريخ البغيض ، من خلال اعتذار يشكل نوعا من المصالحة الاخلاقية بين الظالم والمظلوم.
ثمة من يذهب للتاريخ محاولا "اعادة تصنيع" هوية قابلة للاستعمال في الصراعات السياسية الراهنة. ولهذا المنحى علاقة جوهرية بمفهوم الامة والهوية الجامعة ، وفق المجادلة العميقة التي قدمها بنديكت اندرسون في كتابه المرجعي "مجتمعات متخيلة". اخيرا فهناك من يذهب للتاريخ هاربا من الاقرار بعجزه عن مواجهة تحديات الحاضر ، أو لأنه غارق في ثقافة الماضي بقدر يجعله منقطعا تماما عن الحاضر. ولذا فان مجاورة الاموات تشكل انسه الوحيد ، يعيش تاريخهم ويتحدث بلغتهم ويستعيد قصصهم ويلبس أزياءهم.
لا بد ان بعضنا قد تعرف على واحد من هذه الدوافع الاربعة في نفسه او في الاشخاص الذين يعرفهم. على اي حال فان سؤال العلاقة بين الماضي والحاضر في جوهره ، سؤال ترتيب للمكانة: من يحكم من ، هل نتحكم في تعاملنا مع تاريخنا ام نحن خاضعون لهذا التاريخ.
الشرق الاوسط  25 شهر ربيع الأول 1439 هـ - 13 ديسمبر 2017 مـ

تصنيف الناس سلوك طبيعي.. ماذا عن الكراهية؟

"كل المثقفين هكذا .. يتفلسفون في كل مسألة ، يطيلون الكلام في كل زاوية. والنتيجة؟..   تاثيرهم صفر..". هكذا علق أحد القراء الأعزاء ع...