08/01/2026

أربعة مستويات للعلاقة مع المختلف

 بين الردود على مقال الاسبوع الماضي ، ركز اثنان على الجانب الديني للمسألة. وخلاصة راي الزميلين تتلخص في السؤال التالي: التسامح مع المختلفين دينيا وحتى الملحدين ، قد يكون صحيحا من الناحية العقلائية البحتة ، اي انه يتضمن – ظاهريا على الاقل - مصلحة عقلائية. لكن الشريعة تدعونا لتجنب العلاقة معهم ، بل حتى منافرتهم. فماذا نفعل في هذه الحالة: هل نترك الامر الشرعي وراء ظهورنا ، لدواعي المصلحة المادية؟.

ولتعزيز الموقف ، أرسل أحد الزميلين مقالة قديمة ، تطرح ما اسماه الكاتب بالتعايش ، كبديل عن التقارب الديني. وقال الزميل في تعليقه عليها ، ان الخيار الصحيح هو التزام اللطف واللين في معاملة المختلفين ، مع تذكيرهم باعتراضنا على دينهم وانكارنا لخياراتهم.

وأتذكر نقاشات عديدة في الموضوع ، في أوائل القرن الحالي ، تبلورت على ضوئها تلك الرؤية ، والتي اعتبرها اصحابها "تنازلا" كبيرا ينبغي تقديره. والحق انها كذلك ، إذا قايسناها بالرؤية الاكثر تشددا ، التي تدعو الى مقاطعة اتباع الاديان الاخرى ، بل وحتى الانكار على اصحاب المذاهب الاخرى في الاسلام. ويستدل المتشددون على رأيهم هذا بأن الاسلام قد ألغى ما قبله ، فلا يقبل أي دين غيره. ان تطور الاعلام والطباعة في العصر الحاضر ، لا يسمح لاحد بادعاء انه لم يسمع بالدعوة المحمدية ، فكل من في الأرض اطلع عليها من خلال الكتب والاعلام واللقاء مع المسلمين ، وبذلك بلغهم الحق وقامت عليهم الحجة ، فما عاد لهم حق في البقاء على طريقة غير الاسلام.

ويهمني هنا إيضاح نقطتين تتعلقان بالمسألة. اولاهما اني لا أرى العلاقة بين الناس ، مسألة عبادية كي يتعلق بها حكم ثابت. بل هي من الأمور الحياتية العادية ، التي يعمل فيها الانسان بمقتضى إملاءات العقل ووجهات المصلحة. وأما الاحكام التي وردت فيها ، فتتعلق بظرف خاص ، تجري فيه فقط ، ولا تجري في غيره. واغفال هذا القيد تكلف بلا ضرورة ، وتعسير على الخلق من دون داع حثيث. نحن نستفيد من النصوص التي تتحدث عن العلاقة مع المخالفين ، كمرجع علمي لا كنص ملزم. لأن هذه العلاقة جزء من شبكة التبادلات الاجتماعية السريعة التغير ، ولا يمكن ضبطها بحكم واحد ، وانما نتعامل مع كل تطبيق من تطبيقاتها من زاوية المصالح التي يحققها ، والقاعدة في احكام المعاملات ، انها تدور مع المصالح العقلائية الصريحة ، فما حقق مصلحة فهو مطلوب ، وما قاد الى مفسدة فهو مردود.

زبدة القول ان الجواب على سؤال الزميلين عن الأمر الشرعي ، هو ان ما نقلاه من احكام وما تستند اليه من نصوص ، خاصة بظرفها وليست عامة لكل زمان ومكان. ولذا لا يصح الاحتجاج بها في الظروف المتغيرة.

 النقطة الثانية تخص مستويات العلاقة بين المختلفين ، على مستوى الدين او المذهب ، او حتى على مستوى القومية والعرق والايديولوجيا السياسية والطبقة الاجتماعية ، وغيرها. ويذكر هنا أربعة مستويات إيجابية ، أدناها هو "السماح" للمختلف بالعيش وممارسة طقوسه. ثم يأتي "التعايش" ، أي تقبل العيش مع المختلفين بالنظر لضرورات الحياة: تحتاج للطبيب المسيحي فتتعايش معه. المستوى الثالث هو العلاقة القائمة على احترام خيارات الآخرين ، ومرجعه الاقرار الصريح بحرية الانسان وكرامته وحقه في اختيار طريقه الدنيوي والاخروي ، حتى لو كان باطلا في نظرنا.

اما المستوى الارفع فهو الايمان الداخلي بأن الحق متعدد ، او ان وجوهه متعددة متنوعة ، وان التنوع والتعدد سبب لاثراء الحياة المادية والأخلاقية ، لأنه يوفر تجارب مختلفة ومقاربات متنوعة ، ويعزز قدرة الانسان على النقد والمقارنة. أي انك تقر بحق الآخرين في مخالفتك ، لأن الاختلاف اصل في الحياة وسبب لاغنائها.

تأمل الآن في التجربة الواقعية للبشر: الذين قبلوا بالمستوى الرابع والذين اكتفوا بالمستوى الأول ، ايهما طور حياته وتجربته الروحية والمادية حتى بات مصدرا للمعرفة ، وأيهما بقي مستهلكا لمنتجات الفريق الأول. الدليل واضح كما اظن ، فهل تراه؟.

الشرق الأوسط الخميس - 19 رَجب 1447 هـ - 8 يناير 2026 م

 https://aawsat.com/node/5227470

مقالات ذات علاقة

ابعد من تماثيل بوذا
ان تكون مساويا لغير: معنى التسامح
بل التقارب قائم ومتواصل بين السنة والشيعة
تجريم الكراهية
التسامح وفتح المجال العام كعلاج للتطرف
التعايش أو التقارب.. طريق واحد
تعزيز التسامح من خلال التربية المدرسية
ثقافة الكراهية
 حقوق الانسان في المدرسة
سؤال التسامح الساذ: معنى التسامح
فرصة لتطبيق ما ندعو اليه
فلان المتشدد
في التسامح الحر والتسامح المشروط
في ان الخلاف هو الاصل وان الوحدة استثناء
في بغض الكافر
كن طائفيا او كن ما شئت .. لكن لا تضحي بوطنك
وجهات "الخطر" وقهر العامة

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

السؤال: هل تنفع الخطب؟

ذكرت في الأسبوع الماضي ان الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولاند ، رد على الهجمات الإرهابية بتذكير الفرنسيين بوحدتهم الوطنية وقيم الجمهورية: ال...