تدوينات مقترحة

31/07/2025

سلوك النكاية

 اطرف رد تلقيته هذا الأسبوع ، سؤال استنكاري يقول صاحبه ".. وهل المركز الصحي او سفلتة الشارع في تلك القرية ، أهم من الوحدة العربية...؟"

يتعلق هذا السؤال بكلام ورد في مقال الأسبوع الماضي ، يندد بتسييس الخدمات العامة ، مثل صيانة الطرق وتشغيل شبكات الكهرباء والماء ، الخ. ويزعم المقال ان تسييس الحياة وقضاياها ، جعل الإصلاح مستحيلا.

وكنت على وشك الرد بأن المركز الصحي اهم من الوحدة العربية. لكني خشيت ان تفهم العبارة على غير ما اردته. فاستبدلت الجواب بسؤال معاكس وجهته للسائل: وهل تعتقد ان الذي لا يكترث لوضع قريته ، سيهتم كثيرا بمشروع عظيم كالوحدة العربية ، اهتماما جادا ومقترنا بوعي واستعداد للمساهمة ، وليس مجرد كلام في الهواء او تكرار لما يقال في التلفزيون؟.
د. محمد جابر الانصاري

ويبدو ان ترددي في الجواب كان في محله. لأني سألت نفسي بعد قليل: وما المانع ان يكون الشخص قليل الاكتراث بأمور قريته ، لكنه عظيم الاهتمام بأمور بلاد بعيدة جدا. وقد رأينا في الواقع وقرأنا أيضا ، عن علماء لم يكتبوا حرفا واحدا عن قراهم ، ولم يعرضوا علومهم على أهلها ، لكن بحوثهم اثارت اهتمام العالم شرقا وغربا. أردت القول أنه ليس من المستبعد ان يهتم شخص بالوحدة العربية ، مع أنه لا يكترث لوحدة اهل قريته او طريقها او مستوصفها. ليس مستبعدا ولا معيبا أيضا ، فهموم الناس وانشغالاتهم مختلفة ، كما تختلف أذواقهم وذكرياتهم.

هذه الفكرة جعلتني اتردد في الجواب. لكنها ذكرتني أيضا بأن الدكتور محمد جابر الانصاري ، المفكر البحريني المعروف ، عرض وجها آخر لهذه القصة ، وأظنه جديرا بأن نستمع اليه. يقول الانصاري انك قد تجد شابا في مقتبل العمر ، مستعدا لهجران اهله سعيا وراء الاستشهاد في حرب حقيقية او متوهمة. لكن هذا الشخص عينه ليس مستعدا للخروج من بيته لتنظيف الشارع امام بابه.

-         ما هو القاسم المشترك بين هذه القصة وتلك؟.

القاسم المشترك هو الثقافة السياسية ، بمعنى تصور الانسان للشأن العام ، ودوره هو كفاعل في المجال العام ، أي إدارة البلد. الاهتمام بالطرق والكهرباء والمستوصف في مقال الأسبوع الماضي ، يعادل تنظيف الشارع في المثال أعلاه ، والتشنيع على رجال السياسة والدولة في المثال الأول يعادل المشاركة في الحرب ، في المثال الثاني.

تحدث الانصاري عن "النكاية" باعتبارها مضمونا لنوع من الثقافة السياسية ، قائمة على أرضية الكراهية ، تؤثر في ذات السياق ، على موقف الفرد او الجماعة من القضايا العامة ، ومن الفاعلين في المجال العام.

ينصرف مفهوم "النكاية" الى تطبيق محدد ، يتجلى في تركيز الفرد على المواقف التي تجسد التضاد والمعارضة والقطيعة ، واهمال المواقف التي تفسر بأنها لينة ، او جيدة ، او قبول بتعددية الموقف ، او وقوف عند منتصف الطريق.

رأي الانصاري هذا ، يفسر مثلا موقف شريحة واسعة جدا من الذين تحدثوا في الشأن السوري ، وكانت تعبيراتهم – وفق ما شرحت في الأسبوع الماضي – متشددة وقاسية ، ضد من صنفوهم كأعداء ، رغم انهم مواطنون سوريون مثل الذين يناصرونهم ويدافعون عنهم.

سلوك "النكاية" يعني ان تنظر الى الآخر المختلف ، باعتباره سيئا في الغالب ، وان تتمنى ان يكون في حال سيء ، دائما ، وان تفسر كل افعاله وكلامه وتصرفاته تفسيرا يسيء الى صورته في عيون الناس.

انت تسمع متحدثين في المجالس العامة ، وكتابا على منصات التواصل الاجتماعي ، يحشدون كل مثلبة تنقل اليهم ، فيلقونها على من يكرهونهم ، مع ان بعضها غير معقول او متناقض.

الكراهية – أيا كان سببها – تحجب الحقيقة عن عقل الناظر ، فلا يرى الوقائع ولا يلتزم بالتسلسل المنطقي للافكار. وهذا مسيء له أولا ، قبل ان يسيء لسامعيه. بدل النكاية في الغير ، ادع الله لهم بالهداية ، فلعل دعاءك يرتد اليك.

الخميس - 06 صفَر 1447 هـ - 31 يوليو 2025 م   

https://aawsat.com/node/5170300

مقالات ذات صلة

24/07/2025

كفوا السنتكم.. اصلحكم الله

 لقيت يوما دبلوماسيا من هولندا ، عمل في لبنان وتزوج فيه ، فصرفنا معظم الوقت في نقاش عن ذكرياته وتأملاته عما رأى هناك. وذكر لي نقطة كنت قد لاحظتها أيضا ، وهي التسييس الشديد لكل مسألة ، حتى رسوم الكهرباء وتنظيف الطرقات وتشجيع السياحة وأمثالها. وكان مما أخبرني انه التقى قريبا بأهل زوجته ، فدار الحديث كالعادة عن أهل السياسة ونزاعاتهم ، فسألهم: لماذا لا يتحدثون عن أمور قريتهم: عن البلدية والنظافة والمركز الصحي والمدرسة.. الخ ، فقالت له إحدى السيدات: ان المشكلة كلها في الرؤوس ، فاذا صلحت صلح كل شيء. ثم عادوا لحديثهم المعتاد. وفي اليوم التالي سألهم ان كانوا قد توصلوا الى شيء ، فأخبره احدهم انهم يتحدثون في ذلك الامر وغيره ، على سبيل التسلية وقتل الوقت ، لا أكثر ولا أقل.

قال لي الرجل ان الوضع هناك يستحيل إصلاحه. لأن السياسة ابتلعت كل شيء. السياسة – بطبعها – عالم متأزم ، لأن موضوعها الرئيس هو التسوية بين المصالح المتباينة ، وتهدئة النزاعات التي تتولد عن اختلاف التوجهات والمشارب. أما حياة الناس اليومية فتديرها الأجهزة المكلفة بالخدمات العامة ، مثل صيانة الطرق وتشغيل شبكات الكهرباء والهاتف والمرافق الصحية والتعليم ، وغيرها. فاذا دخلت هذه الأجهزة في بطن السياسة ، أو الحقت بالدوائر السياسية ، انقلب دورها من خدمة الجمهور الى الاغراض السياسية للجماعة الحاكمة او شركائها او حتى المعارضة.

اذا أردت أن تعرف كيف تبتلع السياسة كل شيء ، وكيف يجري تسييس كل شيء ، فاقرأ ما تنشره الصحافة من تقارير واخبار عن سوريا اليوم. واقرأ تعليقات الناس على مواقع التواصل الاجتماعي ، السوريين والعرب على حد سواء ، انظر لموضوعات جدلهم ، هل تجد فيها شيئا عن الزراعة وإعادة بناء القرى التي هجرت او خربت ، هل يتحدثون عن تأهيل الجرحى والمتضررين في المعارك السابقة ، وهل تسمع عن ترتيبات لاعادة ملايين السوريين الذين هجروا بلادهم الى دول الجوار ، وبعضهم لازال يعيش في مخيمات بائسة ، هل تسمع عن مشروعات تأهيل شبكات الماء والكهرباء والهاتف والمراكز الصحية... الخ.

هناك بالتأكيد خبر او اثنين عن كل من هذه المسائل. لكنها لا تكاد ترى. الموضوعات التي تحتل المساحة الاوسع هي المنازعات ، من تخوين وتكفير وتدليل على وجوب القتل والتدمير وافساد الحياة. إن أردت معرفة الروحية العامة التي تهيمن على هذه النقاشات ، فانظر الى لغتها الخشنة ، انظر الى مقدار الشتائم التي يستعملونها في وصف من يعتبرونهم اليوم أعداء ، مع انهم كانوا وسيبقون شركاءهم في الوطن وشركاءهم في القرار ، سواء أحبوهم أم أبغضوهم.

ماذا يستفيد شخص يعيش في حلب او دير الزور ، او في الكويت او القاهرة او بيروت ، او في لندن او ستوكهولم ، من شتم الناس المقيمين في السويداء او درعا أو حماة او إدلب ، حتى لو كانوا مخالفين له في السياسة او الدين. بل لماذا ينشغل بالجدل حول مشكلة السويداء او درعا او  القنيطرة او غيرها ، وهو  عاجز عن المشاركة في الحل ، أي ان كلامه سيكون مجرد تأجيج للمشاعر ، وتشجيع للكراهية ، بدل ان يكون مقولة خير او دعوة للخير.

اذا كان حريصا على ذلك الجزء من سوريا (او أي بلد آخر) فليدع الى حقن الدماء أولا ، وليفكر في الاعمال التي تعين على التسالم ، وتحسين الحياة والمعايش لعامة الناس ، خاصة أولئك المحتاجين للارشاد والمساعدة ، بدل ان يصرف طاقته في توزيع الاحكام والتهوين من قيمة الناس هنا او هناك.

قبل حوالي 30 عاما ، سأل احد الصحفيين المرحوم محفوظ النحناح ، السياسي الجزائري ، عن الحل الذي يقترحه للنزاع الأهلي الذي كان ناشبا في بلده يومئذ ، فتلى الآية المباركة "كفوا ايديكم واقيموا الصلاة". وانا أقول لهؤلاء الذين سيسوا كل شيء فأفسدوا السياسة ولم يصلحوا شيئا " كفوا السنتكم.. سكوتكم هو الغنيمة".. اصلحكم الله.

الخميس - 29 مُحرَّم 1447 هـ - 24 يوليو 2025 م

https://aawsat.com/node/5167935

مقالات ذات علاقة

عن طقوس الطائفية وحماسة الاتباع

فلان المتشدد

خديعة الثقافة وحفلات الموت

ما الذي نريد: دين يستوعبنا جميعاً أم دين يبرر الفتنة

اتجاهات في تحليل التطرف

ابعد من تماثيل بوذا

ثقافة الكراهية

تجريم الكراهية

تجارة الخوف

في انتظار الفتنة

غلو .. ام بحث عن هوية

17/07/2025

جزيرة وسط محيط الشر

 كثير من الناس يعتقدون في قرارة انفسهم ان العالم ليس عادلا ، او ان العدالة حلم مثالي لا يمكن تحقيقه في دنيا الانسان. أصحاب هذا الاعتقاد ليسوا من عامة الناس فقط ، فهناك – أيضا – علماء وزعماء واشخاص حصلوا من الدنيا على أفضل ما فيها ، لكنهم عجزوا عن فهم التوازن الطبيعي بين الخير والشر في العالم.

القديس أوغسطين (354-430م) واحد من اكثر الذين أثروا على التفكير المسيحي في أصعب ظروفه. حين غزت القبائل القوطية مدينة روما في 420م ودمرت ابرز قصورها وسلبت مبانيها وكنائسها ، بدأ كثير من الناس في التساؤل: هل تستطيع المسيحية إقامة العدل في هذه الدنيا ، ولو في الحد الأدنى ، أي ضمان دماء الناس واموالهم في مقابل الغزو والعدوان؟.

يقال ان اوغسطين كتب كتابه الشهير "مدينة الله" لمواساة الذين انشغلت أذهانهم بهذا السؤال. وكانت خلاصة الجواب الذي قدمه ، هو ان الكنيسة صورة رمزية عن العدل المتوقع في مدينة الله. اما العدل الكامل والحقيقي ، فهو ممكن فقط حين يتولى السيد المسيح زمام الأمور في الآخرة. بعبارة أخرى فان الشر هو الحاكم في العالم ، وان الكنيسة مثل جزيرة للخير وسط محيط الشر ، انها رمز لمدينة العدل التي لن تقوم في الحياة الدنيا.

هذا التصوير أقرب للتبرير منه الى الجواب الواقعي. وأراه منبعثا من رؤية متشائمة للعالم. ولو أخذنا بموقعه التاريخي ، فقد يوضح ان هذا النوع من القناعات قديم جدا في ثقافة البشر ، رغم انه يخالف القراءة المنصفة للتاريخ.

السؤال الذي يراودني بين حين وآخر: ما الذي يجعل الناس ، في مختلف الأزمان ، على قناعة بأن الشر اقوى من الخير في العالم؟. هذا بالطبع يختلف عن السؤال الفلسفي - الثيولوجي ، الذي يتناول مسألة الشر في العالم بذاتها. فأنا وغيري نعلم ان وجود الشر جزء من طبيعة الكون ، ولولاه لما أمكن تمييز الخير ولما كان للخير والعاملين به ، هذه القيمة الرفيعة في كل مجتمع.

أقول ان التجربة الواقعية للبشر عبر التاريخ ، لا تدعم تلك القناعة. كما يخالفها الواقع الذي نراه أمامنا كل يوم. قارن بين مساحة الشر ومساحة الخير ، بين عدد الأشرار وعدد الاخيار في العالم ، بين الأمناء والسارقين ، بين القتلة والمسالمين ، بين الملتزمين بواجباتهم والفوضويين ، بين من يحبون العلم ومن يستأنسون بالجهل ، في هذا الزمن وفي الأزمنة الماضية. سترى دائما ان الشر ليس سوى نسبة صغيرة ، وجودها يكشف عن حجم الخير في العالم. لأن الأشياء القيمة انما تعرف بالمقارنة مع أضدادها.

وجد عدد من علماء النفس ان الاذلال المتكرر ، إذا ترافق مع العجز عن المقاومة او الرد على العدوان ، يزرع في النفس اعتقادا بأن العدل غير ممكن في هذا العالم. وقد وجدت من خلال مطالعات سابقة أن كافة المجتمعات تقريبا تعرضت ، في فترة من تاريخها ، للقهر والاذلال ، على يد قوة محتلة او على يد حكومة جابرة او على يد عصابات محلية.

هناك بالتأكيد صلة بين تاريخ القهر وبين ثقافة المقهور الحالية. لكن السؤال الذي يبرز دائما: لماذا استطاعت بعض المجتمعات الخلاص من ذلك الشعور ، وبقي غيرها اسيرا له؟.

استطيع القول باختصار شديد ، ان التوجيه الثقافي يتدخل بشكل مؤثر ، في تحويل الشعور بالمهانة الى موقف عام تجاه العالم ، موقف يتسم بالارتياب والميل للقطيعة ، كما قد يفعل العكس ، فيضع اطارا يقيد ذلك الشعور ويعيد تعريفه كجزء من مرحلة تاريخية منتهية ، وبالتالي منعه من اختراق الزمن والتحكم في ثقافة المجتمع الحاضر.

زبدة القول: اذا سمعتم من يكثر الحديث عن الشر وهمينته في العالم ، ويقلل من قيمة الخير المحيط به من كل جانب ، فاعلموا ان وراءه ثقافة متشائمة ، لا تستند الى دليل قدر ما تستند الى انفعالات أو مبالغة في التقدير.

 الشرق الأوسط الخميس - 22 مُحرَّم 1447 هـ - 17 يوليو 2025 م  https://aawsat.com/node/5165543

10/07/2025

عقل في السجن

 تناولت مقالة الأسبوع الماضي ما اسميته "عقدة الضحية" أي شعور الانسان بانه خائب الحظ دائما ، لا لأنه قصر في شيء ، بل لأن قوى أخرى ، ظاهرة او خفية ، تسعى لاحباطه وافشال مساعيه. وقد نبهني احد الزملاء إلى تمييز ضروري ، بين تطبيقات هذا الشعور على المستوى الشخصي ، وتطبيقاته على المستوى العام. وخلاصة ما قاله ان غالبية الناس لا يفسرون اخفاقاتهم الشخصية بكونهم ضحايا ، الا في حالات قليلة. في معظم الحالات يميل الفرد للتفاؤل ، ولا سيما حينما ينجح في تعليمه او في وظيفته او علاقاته مع الناس.

محسن مخملباف

لكن هذا الشخص الناجح نفسه ، ربما يتغير 180 درجة حين يتعلق الأمر بمشكلات على مستوى واسع النطاق ، أي على مستوى الوطن العربي او الامة الإسلامية او العام الثالث ككل. فكأن المؤامرة المزعومة لا تستهدف الأفراد ، بل تستهدف الأمم.

والتزاما بالاحتياط ، فقد سألت بضعة أشخاص ممن اعرف انهم مؤمنون بفكرة المؤامرة العالمية ، سألتهم: هل وجدوا مؤشرا على مؤامرة تستهدف أشخاصهم ، فأجابني أربعة منهم بأنهم لا يعتقدون أصلا بان العالم يهتم بهم كأفراد ، بل يتوجه خصوصا الى الأهداف ذات القيمة الرمزية على مستوى الوطن او على مستوى  الأمة ، وقد يستهدف الأفراد الذي يمكن اعتبارهم جزء من رأس المال البشري او الرمزي للأمة ككل ، مثل العلماء والقادة ، ومن يلعب أدوارا مؤثرة في المجال العام.

وللحق فاني لم ألتفت لهذا التمييز من قبل ، وأظنه جديرا بالتأمل ، لمن يتقبل – من حيث المبدأ – احتمال وجود مؤامرة عالمية.

ذلك النقاش لفت انتباهي الى ما اظنه ارتباطا بين عقدة الضحية والدوغمائية في النظر للعالم والتاريخ. وخلاصة ما يقال في هذا الباب ، ان المصاب بعقدة الضحية ، وهو غالبا من المؤمنين بالمؤامرة الكونية ، لديه قائمة مسلمات لا يقبل النقاش فيها. وقد يندهش اذا سمع من ينكرها او يخالفه الرأي في بعضها. ومن ذلك مثلا ان أحدهم – وهو مصنف ضمن دائرة المثقفين – كتب لي قائلا ان منكري المؤامرة الدولية مخدوعون ، او هم جزء من المؤامرة ، سواء أدركوا ذلك ام غفلوا عنه.

 ومن ذلك أيضا ما كتبه اكثر من واحد عند بداية الحرب في قطاع غزة ، من ان اليهود عاجزون عجزا ذاتيا عن مواجهة العرب ، ولهذا السبب فان هزيمتهم امر محتوم. وقد قلت لاحد الزملاء ان اليهود قد هزمونا سابقا ، فأجابني ان أمريكا هي التي هزمتنا وليس إسرائيل. فاخبرته برأيي وخلاصته أننا مثل كل خلق الله ، ننتصر إذا اخذنا بأسباب القوة والغلبة ، ونفشل اذا تركنا تلك الأسباب أو أخذ بها عدونا. عرقنا مثل ديننا وتاريخنا ، ليس سببا في النصر ولا الهزيمة. فأجابني بأنني قصير النظر ، عاجز عن قراءة التاريخ.

والحق ان نقاشا كهذا لا جدوى وراءه ، وأن قبول فكرة المؤامرة او رفضها ليس بذي أهمية ، إلا إذا كان الغرض هو التحرر من حالة الدوغمائية ، التي نحتاج حقا للخلاص منها. بعبارة أخرى فان عقدة الضحية والاعتقاد في المؤامرة ، قد يكونا تمظهرا لحالة انغلاق ذهني ، تصد العقل عن التفكير في مختلف الاحتمالات ، الموافقة لقناعاته تلك والمناقضة لها. هذا مهم جدا ، لأن الدوغمائي يتخيل الحقيقة في جيبه دائما ، بينما لا يبعد ان تكون قناعاته قائمة على فرضيات متوهمة او مصطنعه ، وأن الحقيقة في مكان آخر مختلف تماما.

وقد لاحظت ان الدوغما شائعة بين هؤلاء الذين يحملون ايديولوجيات صلبة. ويذكرني هذا بنص مسرحي قديم للمخرج الإيراني محسن مخملباف ، اسمه "حصار در حصار = أسوار داخل أسوار" يصور فيه دوغمائيا رفض الخروج من زنزانته ، رغم فتح أبواب السجن وهرب السجناء والحراس جميعا. لأنه يعتقد ان ما يحصل ليس التحول الاجتماعي العميق ، الذي كان سيؤدي – وفقا لرأيه – الى الحرية. ولهذا اعتبر السجناء الذين فروا من زنازينهم ، واهمين ، وانه هو الوحيد الذي يرى الحقيقة.

الشرق الأوسط الخميس - 15 مُحرَّم 1447 هـ - 10 يوليو 2025 م  

https://aawsat.com/node/5163211

مقالات ذات صلة


03/07/2025

فتش عن الماسونية!

 المجتمع العربي بحاجة للتخلص من عقدة الضحية ، أي الاعتقاد بأنه يقع دائما في الجانب الضعيف والمظلوم ، من اي معادلة سياسية او اقتصادية تنشأ في الساحة الدولية. هذه العقدة هي السبب وراء كثرة حديثنا عن مؤامرات الأعداء ، وتضخيمنا لقوتهم ، وتقبلنا المفرط للحلول السحرية والغيبية واللامادية بشكل عام.

 المصابون بهذه العقدة ، لا يبحثون عن أسباب المشكلة ، ولا يستمعون لمن ينفي هواجسهم او يقترح حلولا لعلتهم ، بل يركزون على "النوايا" والارادات الخفية التي يقطعون بوجودها في نفوس اعدائهم. ولو سألت الذين يبشرون بتلك المؤامرات الخفية ، لأجابك دون انتظار: "وهل تتوقع ان يعلن العدو نواياه على رؤوس الأشهاد؟" ، أي ان إقراره بالجهل بحقيقة ما يكتمه العدو ، يتحول خلال لحظات الى ادعاء العلم بالمكتوم. وهذا من اعجب العجب.

 وأذكر اننا مررنا بحقبة ، كانت كل خيباتنا التي تحققت ، او التي ينتظر ان تتحقق في المستقبل ، تعلق على مشجب الماسونية. ويؤكد أصحاب هذه الرؤية الكسيحة دائما على الإمكانات الضخمة للماسونية ، وقدرتها على النفوذ  لأصعب المواقع ، حتى أنها لم تترك شخصا مؤثرا ، ولا شخصا تتوسم فيه قوة التأثير في المستقبل ، في شرق العالم وغربه ، الا وجندته ووجهته لهدم الإسلام وتدمير بلاد المسلمين.

 وصدرت عشرات من الكتب ، التي لو صدقت الاقاصيص المروية فيها ، لكانت الماسونية اليوم أقوى من الولايات المتحدة وحلف الناتو والصين واليابان مجتمعة. وتضم قوائم الاعضاء في الخطة الماسونية التي ذكرتها تلك الكتب ، أسماء لرؤساء دول ومنظمات دولية وقادة جيوش ووزراء وعلماء واقتصاديين واكاديميين ، وحتى قادة للمؤسسة الدينية في مختلف الأديان.

 تتوازى ، في كثير من الحالات ، مع تفخيم الذات وتعظيمها والتفاخر على الغير. وقد حضرت نقاشات ظهرت فيها هذه الازدواجية بشكل كاريكاتوري. وأذكر مثلا ندوة في الكويت ، تحدث فيها أستاذ جامعي عن مفاخر المسلمين وسبقهم في العلم ، فسأله أحد الحاضرين عن سبب انقطاع الحركة العلمية القديمة وانفصال العرب المعاصرين عنها ، فقال المتحدث ان السبب هو مؤامرات الغرب ، الذي لا يسمح للعرب بركوب قطار الحضارة ، خشية ان يستقلوا بأنفسهم فيكونوا أقوى منه.  وسرد عددا من الشواهد وأسماء العلماء ، الذين قال ان الغرب اغتالهم ، بعدما رفضوا الانضمام اليه.

 لعل القراء الأعزاء قد سمعوا كلاما كهذا او قرأوه. ولعل بعضهم قد أدرك التناقض بين جزئي الحديث: الجزء الذي يدعي السبق الى العلم ، والجزء الذي يدعي ان الغرب يمنعنا من مواصلة البحث العلمي او التقدم في مجال العلم.

 أقول انه متناقض ، لأن العلم ليس الكتب التي يدعى ان التتار قد اغرقوها في دجلة ، أو العلماء الذين يقال انهم قتلوا على أيدي هؤلاء او على أيدي غيرهم. إن اردتم الدليل فانظروا الى اليابان وألمانيا التي دمرت مدنها ومصانعها ومدارسها في الحرب العالمية الثانية ، لكنها عادت أقوى وأكثر تقدما مما كانت ، في فترة تقل عن 30 عاما. لقد انتهت الحرب في 1945 ، وفي بداية السبعينات ، كان الإنتاج العلمي والصناعي في كل منهما ، منافسا للدول الغالبة ، أي الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا.

 العلم لا يندثر بحرق الكتب او موت العلماء ،  الا اذا كان محصورا في نخب محدودة ، مثل جزيرة منفصلة عن باقي المجتمع ، ونعلم ان هذا لا يقيم حضارة. العلم  الذي نتحدث عنه هو الذي يخلق مجتمع المعرفة ، أي المجتمع الذي تسوده روحية المعرفة ومعايير العلم في تفكيره وأعماله.

 ان غرض هذا المقال هو تنبيه الاذكياء الى ان القاء المسؤولية في تخلفنا على مشاجب الآخرين ، أعداء او غيرهم ، ليس سوى تمظهر لعقدة الضحية التي تجعل الانسان راضيا عن نفسه ، باحثا عن السلوى في قصص الظلم او في ممارسة الظلم على من يظنه أضعف منه ، وأظننا جميعا قد شهدنا حوادث تجسد هذه الحالة قليلا او كثيرا.

الخميس - 08 مُحرَّم 1447 هـ - 3 يوليو 2025 م  https://aawsat.com/node/5160861

مقالات ذات صلة

 اختيار التقدم

الأمل الآن وليس في آخر الطريق

بقية من ظلال الماضين

التقدم اختيار.. ولكن

 تلميذ يتعلم وزبون يشتري

 التمكين من خلال التعليم

الحداثة تجديد الحياة

خطباء وعلماء وحدادون

 شكوك في العلاقة بين الثقافة والتقدم

فكرة التقدم باختصار

الفكرة القائدة ، مثال الواتس اب

كيف نتقدم.. سؤال المليون

المكنسة وما بعدها

هيروهيتو ام عصا موسى؟