تناولت مقالة الأسبوع الماضي ما اسميته "عقدة
الضحية" أي شعور الانسان بانه خائب الحظ دائما ، لا لأنه قصر في شيء ، بل
لأن قوى أخرى ، ظاهرة او خفية ، تسعى لاحباطه وافشال مساعيه. وقد نبهني احد الزملاء
إلى تمييز ضروري ، بين تطبيقات هذا الشعور على المستوى الشخصي ، وتطبيقاته على
المستوى العام. وخلاصة ما قاله ان غالبية الناس لا يفسرون اخفاقاتهم الشخصية
بكونهم ضحايا ، الا في حالات قليلة. في معظم الحالات يميل الفرد للتفاؤل ، ولا
سيما حينما ينجح في تعليمه او في وظيفته او علاقاته مع الناس.محسن مخملباف
لكن هذا الشخص الناجح نفسه ، ربما يتغير 180 درجة حين
يتعلق الأمر بمشكلات على مستوى واسع النطاق ، أي على مستوى الوطن العربي او الامة
الإسلامية او العام الثالث ككل. فكأن المؤامرة المزعومة لا تستهدف الأفراد ، بل
تستهدف الأمم.
والتزاما بالاحتياط ، فقد سألت بضعة أشخاص ممن اعرف انهم
مؤمنون بفكرة المؤامرة العالمية ، سألتهم: هل وجدوا مؤشرا على مؤامرة تستهدف أشخاصهم
، فأجابني أربعة منهم بأنهم لا يعتقدون أصلا بان العالم يهتم بهم كأفراد ، بل
يتوجه خصوصا الى الأهداف ذات القيمة الرمزية على مستوى الوطن او على مستوى الأمة ، وقد يستهدف الأفراد الذي يمكن اعتبارهم
جزء من رأس المال البشري او الرمزي للأمة ككل ، مثل العلماء والقادة ، ومن يلعب
أدوارا مؤثرة في المجال العام.
وللحق فاني لم ألتفت لهذا التمييز من قبل ، وأظنه جديرا
بالتأمل ، لمن يتقبل – من حيث المبدأ – احتمال وجود مؤامرة عالمية.
ذلك النقاش لفت انتباهي الى ما اظنه ارتباطا بين عقدة
الضحية والدوغمائية
في النظر للعالم والتاريخ. وخلاصة ما يقال في هذا الباب ، ان المصاب بعقدة الضحية ،
وهو غالبا من المؤمنين بالمؤامرة الكونية ، لديه قائمة مسلمات لا يقبل النقاش فيها.
وقد يندهش اذا سمع من ينكرها او يخالفه الرأي في بعضها. ومن ذلك مثلا ان أحدهم –
وهو مصنف ضمن دائرة المثقفين – كتب لي قائلا ان منكري المؤامرة
الدولية مخدوعون ، او هم جزء من المؤامرة ، سواء أدركوا ذلك ام غفلوا عنه.
ومن ذلك أيضا ما
كتبه اكثر من واحد عند بداية الحرب
في قطاع غزة ، من ان اليهود عاجزون عجزا ذاتيا عن مواجهة العرب ، ولهذا السبب
فان هزيمتهم امر محتوم. وقد قلت لاحد الزملاء ان اليهود قد هزمونا سابقا ، فأجابني
ان أمريكا هي التي هزمتنا وليس إسرائيل. فاخبرته برأيي وخلاصته أننا مثل كل خلق
الله ، ننتصر إذا اخذنا بأسباب القوة والغلبة ، ونفشل اذا تركنا تلك الأسباب أو
أخذ بها عدونا. عرقنا مثل ديننا وتاريخنا ، ليس سببا في النصر ولا الهزيمة.
فأجابني بأنني قصير النظر ، عاجز عن قراءة التاريخ.
والحق ان نقاشا كهذا لا جدوى وراءه ، وأن قبول فكرة
المؤامرة او رفضها ليس بذي أهمية ، إلا إذا كان الغرض هو التحرر من حالة
الدوغمائية ، التي نحتاج حقا للخلاص منها. بعبارة أخرى فان عقدة الضحية والاعتقاد
في المؤامرة ، قد يكونا تمظهرا لحالة انغلاق ذهني ، تصد العقل عن التفكير في مختلف
الاحتمالات ، الموافقة لقناعاته تلك والمناقضة لها. هذا مهم جدا ، لأن الدوغمائي يتخيل الحقيقة في
جيبه دائما ، بينما لا يبعد ان تكون قناعاته قائمة على فرضيات متوهمة او مصطنعه ،
وأن الحقيقة في مكان آخر مختلف تماما.
وقد لاحظت ان الدوغما شائعة
بين هؤلاء الذين يحملون ايديولوجيات صلبة. ويذكرني هذا بنص مسرحي قديم للمخرج
الإيراني محسن
مخملباف ، اسمه "حصار
در حصار = أسوار داخل أسوار" يصور فيه دوغمائيا رفض الخروج من زنزانته ،
رغم فتح أبواب السجن وهرب السجناء والحراس جميعا. لأنه يعتقد ان ما يحصل ليس التحول
الاجتماعي العميق ، الذي كان سيؤدي – وفقا لرأيه – الى الحرية. ولهذا اعتبر
السجناء الذين فروا من زنازينهم ، واهمين ، وانه هو الوحيد الذي يرى الحقيقة.
الشرق الأوسط الخميس - 15 مُحرَّم 1447 هـ - 10 يوليو 2025 م
https://aawsat.com/node/5163211
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق