تدوينات مقترحة

10/07/2025

عقل في السجن

 تناولت مقالة الأسبوع الماضي ما اسميته "عقدة الضحية" أي شعور الانسان بانه خائب الحظ دائما ، لا لأنه قصر في شيء ، بل لأن قوى أخرى ، ظاهرة او خفية ، تسعى لاحباطه وافشال مساعيه. وقد نبهني احد الزملاء إلى تمييز ضروري ، بين تطبيقات هذا الشعور على المستوى الشخصي ، وتطبيقاته على المستوى العام. وخلاصة ما قاله ان غالبية الناس لا يفسرون اخفاقاتهم الشخصية بكونهم ضحايا ، الا في حالات قليلة. في معظم الحالات يميل الفرد للتفاؤل ، ولا سيما حينما ينجح في تعليمه او في وظيفته او علاقاته مع الناس.

محسن مخملباف

لكن هذا الشخص الناجح نفسه ، ربما يتغير 180 درجة حين يتعلق الأمر بمشكلات على مستوى واسع النطاق ، أي على مستوى الوطن العربي او الامة الإسلامية او العام الثالث ككل. فكأن المؤامرة المزعومة لا تستهدف الأفراد ، بل تستهدف الأمم.

والتزاما بالاحتياط ، فقد سألت بضعة أشخاص ممن اعرف انهم مؤمنون بفكرة المؤامرة العالمية ، سألتهم: هل وجدوا مؤشرا على مؤامرة تستهدف أشخاصهم ، فأجابني أربعة منهم بأنهم لا يعتقدون أصلا بان العالم يهتم بهم كأفراد ، بل يتوجه خصوصا الى الأهداف ذات القيمة الرمزية على مستوى الوطن او على مستوى  الأمة ، وقد يستهدف الأفراد الذي يمكن اعتبارهم جزء من رأس المال البشري او الرمزي للأمة ككل ، مثل العلماء والقادة ، ومن يلعب أدوارا مؤثرة في المجال العام.

وللحق فاني لم ألتفت لهذا التمييز من قبل ، وأظنه جديرا بالتأمل ، لمن يتقبل – من حيث المبدأ – احتمال وجود مؤامرة عالمية.

ذلك النقاش لفت انتباهي الى ما اظنه ارتباطا بين عقدة الضحية والدوغمائية في النظر للعالم والتاريخ. وخلاصة ما يقال في هذا الباب ، ان المصاب بعقدة الضحية ، وهو غالبا من المؤمنين بالمؤامرة الكونية ، لديه قائمة مسلمات لا يقبل النقاش فيها. وقد يندهش اذا سمع من ينكرها او يخالفه الرأي في بعضها. ومن ذلك مثلا ان أحدهم – وهو مصنف ضمن دائرة المثقفين – كتب لي قائلا ان منكري المؤامرة الدولية مخدوعون ، او هم جزء من المؤامرة ، سواء أدركوا ذلك ام غفلوا عنه.

 ومن ذلك أيضا ما كتبه اكثر من واحد عند بداية الحرب في قطاع غزة ، من ان اليهود عاجزون عجزا ذاتيا عن مواجهة العرب ، ولهذا السبب فان هزيمتهم امر محتوم. وقد قلت لاحد الزملاء ان اليهود قد هزمونا سابقا ، فأجابني ان أمريكا هي التي هزمتنا وليس إسرائيل. فاخبرته برأيي وخلاصته أننا مثل كل خلق الله ، ننتصر إذا اخذنا بأسباب القوة والغلبة ، ونفشل اذا تركنا تلك الأسباب أو أخذ بها عدونا. عرقنا مثل ديننا وتاريخنا ، ليس سببا في النصر ولا الهزيمة. فأجابني بأنني قصير النظر ، عاجز عن قراءة التاريخ.

والحق ان نقاشا كهذا لا جدوى وراءه ، وأن قبول فكرة المؤامرة او رفضها ليس بذي أهمية ، إلا إذا كان الغرض هو التحرر من حالة الدوغمائية ، التي نحتاج حقا للخلاص منها. بعبارة أخرى فان عقدة الضحية والاعتقاد في المؤامرة ، قد يكونا تمظهرا لحالة انغلاق ذهني ، تصد العقل عن التفكير في مختلف الاحتمالات ، الموافقة لقناعاته تلك والمناقضة لها. هذا مهم جدا ، لأن الدوغمائي يتخيل الحقيقة في جيبه دائما ، بينما لا يبعد ان تكون قناعاته قائمة على فرضيات متوهمة او مصطنعه ، وأن الحقيقة في مكان آخر مختلف تماما.

وقد لاحظت ان الدوغما شائعة بين هؤلاء الذين يحملون ايديولوجيات صلبة. ويذكرني هذا بنص مسرحي قديم للمخرج الإيراني محسن مخملباف ، اسمه "حصار در حصار = أسوار داخل أسوار" يصور فيه دوغمائيا رفض الخروج من زنزانته ، رغم فتح أبواب السجن وهرب السجناء والحراس جميعا. لأنه يعتقد ان ما يحصل ليس التحول الاجتماعي العميق ، الذي كان سيؤدي – وفقا لرأيه – الى الحرية. ولهذا اعتبر السجناء الذين فروا من زنازينهم ، واهمين ، وانه هو الوحيد الذي يرى الحقيقة.

الشرق الأوسط الخميس - 15 مُحرَّم 1447 هـ - 10 يوليو 2025 م  

https://aawsat.com/node/5163211

مقالات ذات صلة


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق