تدوينات مقترحة

05/02/2026

الأجانب والحكومة الوطنية

هذه عودة لقصة قديمة ، بطلها الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا اولاند. بدايتها هجمات إرهابية في باريس في 7 يناير 2015 ، اسفرت عن مقتل 17 شخصا. كان الرئيس وقتئذ قد خسر شعبيته تماما. وقالت استطلاعات رأي انه يحظى بتأييد 17% فقط من الفرنسيين. وكان اخفاق الحكومة في معالجة مشكلة الهجرة ، سببا رئيسيا وراء شعور الرأي العام بعدم كفاءة الحكم.

توقع المراقبون ان تقضي هذه الحادثة على ما تبقى من شرعية الرئيس ، فيضطر لاقالة الحكومة ، او توجيه الشرطة لشن عمليات واسعة (حتى لو بدت انتقامية) ضد مناطق المهاجرين ، كي يظهر امام الجمهور في لباس القائد الحاسم ، فيبدد الاعتقاد السائد بأن حكومته مترهلة او عاجزة عن إدارة البلد.

لم يحصل هذا ولا ذاك. توجه هولاند الى الفرنسيين مستنهضا ما نسميه "روح الجماعة" ، أي الشعور العميق بالتضامن بين المواطنين ، فركز خطابه على ما أسماه "قيم الجمهورية" أي الحرية والمساواة والاخاء. وكان هذا خير رد على دعوة اليمين المتطرف لتحويل المناسبة الى حملة شعبية ضد المهاجرين. بعدها بأسبوع ، شهدت باريس تظاهرة حضرها مليونان من الفرنسيين ، يتقدمهم هولاند مع 50 من قادة الدول وكبار السياسيين ، حضروا للتأكيد على ان احتواء العدوان يتم بتعزيز التضامن الداخلي والاعتزاز بالذات الوطنية ، وليس تصدير الأزمة أو تعليقها على مشاجب الآخرين.

وخلال العشرين عاما الماضية ، تعرضت فرنسا لأزمات اقتصادية وسياسية ، واجهتها بتأكيد التضامن واحترام الذات الجمعية. وقد نجحت حتى الآن في احتواء معظمها.

-         ما الداعي للتذكير بقصة قديمة؟.

إذا كنت من متابعي أحوال السياسة في هذه الأيام ، فلابد انك لاحظت ديباجة مكررة ، وهي اتهام الخارج بالتسبب في أزمات الداخل. من ذلك مثلا ان الجيش الباكستاني نفذ عمليات في بلوشستان قتل فيها 170 شخصا ، ردا على تحرك انفصالي قال الجيش ان الهند وراءه. وعلى الجانب الشرقي ، قام الجيش البورمي بتهجير مئات الآلاف من المسلمين الى بنغلادش ، مدعيا ان قوى خارجية تحركهم ضد الحكم المركزي. والى الغرب قليلا ، في ايران ، اتهمت الحكومة دولا اجنبية عديدة بتحريك تظاهرات ضخمة جدا ، أوقعت 3000 قتيل وفق ارقام رسمية. والى الشرق أيضا تتهم السلطة الفلسطينية حركة حماس بتنفيذ اجندات اجنبية في حربها مع إسرائيل. والحال نفس الحال في السودان واثيوبيا وارتيريا وليبيا ، وغيرهم. نعرف طبعا ان الأعلى صوتا بين الجميع ، هو الرئيس ترمب الذي يصرح يوميا بان الدول الأجنبية تسرق وظائف الأمريكيين وأموالهم.

لا أحد في عالمنا يصدق تماما ما يقال. يعلم الناس ان هذه الأقطار فيها مشكلات اقتصادية وسياسية ، تجعل الناس غير راضين عن أوضاعهم. تستطيع الحكومات معالجة الازمات واستعادة رضا الجمهور عنها ، في بعض الأحيان. لكن الأمر لا يكون طيبا في جميع الأحوال. فاذا شعر الناس بان حكومتهم تتجاهل مشكلاتهم ، او تستبدل العلاجات المؤقتة الضرورية ، بشعارات وكلام عن العلاجات الطويلة الأمد. عندئذ سيفقد الناس ثقتهم في وعود الحكومة ، مهما بدت معقولة. الأسوأ من هذا ان يتجاهل السياسيون جوهر المشكل وأسبابه ، ويلقون غسيلهم على حبال الخارج ، فيتهمون هذه الدولة او تلك بالتسبب في أزماتهم ، ثم يقنعون انفسهم بأن الحل في الخارج ، فاذا توقف عن اثارة المشاكل ، سيعود كل شيء لطبيعته.

التدخل الخارجي محتمل جدا. لكن السؤال: هل كان الأجنبي سينجح في تأزيم وضعك ، لو لم تكن عناصر الأزمة وأسبابها متوفرة بالفعل؟.

الواقع ان الأجنبي عاجز في معظم الأحيان عن اختلاق أزمة ، مهما امتلك من أدوات تأثير. لكنه قادر على "استثمار" أزمات موجودة بالفعل ، او عناصر أزمة كامنة في النظام الاجتماعي. استثمار الأزمة يختلف عن خلقها. وعلى من يشكو تدخل الأجانب ان يسائل نفسه: لماذا لم يعالج أسباب الازمة ، قبل ان يستثمرها الأجنبي. هل يعقل ان يكون الأجنبي اقدر من الدولة الوطنية على التعامل مع مكونات نظامها الاجتماعي؟.

الخميس - 17 شَعبان 1447 هـ - 5 فبراير 2026 م

https://aawsat.com/node/5237397

مقالات ذات صلة

ابعد من فيلم الجني ومن لبسه
البلاد بوصفها "مسرح العرائس"
تحولات التيار الديني – 5 السلام مع الذات والسلام مع العالم
جزيرة وسط محيط الشر
الحر كة الا سلامية ، الغرب والسيا سة ( 2 من 3 )
حكومة العالم الخفية
فتش عن الماسونية!
فكرة التقدم باختصار
المؤامرة والسياسة
هيروهيتو ام عصا موسى؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق