‏إظهار الرسائل ذات التسميات ايزوتسو. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ايزوتسو. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 20 يونيو 2018

التشريع بين المحلي والكوني


في مقاله "الحيوية الفقهية والمستجدات الدنيوية" (الشرق الاوسط 14 يونيو) تعرض الاستاذ فهد الشقيران لمسألة طالما بقيت في هامش اهتمام المتحدثين في الفكر والفقه الاسلامي وتجديده ، اعني بها التمييز بين الاحكام ذات الطبيعة الكونية ، ونظيرتها التي تعالج قضايا محلية أو مؤقتة فحسب. وقد أجاد الكاتب في التنبيه لهذه المسألة الهامة.
من حيث المبدأ يتفق علماء الاسلام على ان أحكام الشريعة نوعان: ما يتعلق بحادثة أو ظرف خاص ، فلا يسري على غيرها ، وما هو حكم عام في كل القضايا التي موضوعها واحد. ويتعلق بالموضوع ايضا مسألة الثوابت والمتغيرات. وفحواها ان بعض الاحكام ثابتة في كل زمان ومكان ، وبعضها متحول ، لان الظرف الزماني والمكاني جزء اساسي في تشكيل موضوع الحكم. وهذا ايضا من موارد الاتفاق قديما وحديثا.
تقترح هذه المقالة معنيين للمتغيرات ، يقوم أولها على التمييز بين المحلي والكوني ، وهو ما أشار اليه الاستاذ الشقيران.  ويقوم الثاني على التمييز بين المراحل المختلفة للحكم ، من حيث ارتباطه بتطور المجتمع. وهو يرتبط مع الاول من بعض الوجوه. لكني سأتركه لوقت آخر.
لا شك ان استيعاب المجتمع المتلقي للرسالة السماوية ، وقابليته لاعادة انتاجها على شكل دعوة لغير المؤمنين ، هو غرض مقصود بذاته. لو لم يستوعب عرب الجزيرة معنى ومقاصد الرسالة ، لما تحولت من تيار صغير الى كيان قوي ومن ثم امة كبيرة ، خلال فترة قصيرة نسبيا. نعلم ان سرعة الاستيعاب والتفاعل ، كان ثمرة لنزول الخطاب بلغة مألوفة ، ومخاطبته للعقول والعواطف بصورة متوائمة. وأحيل من اراد التعمق في هذه المسألة الى كتاب المستعرب الياباني توشيهيكو إيزوتسو "الله والانسان في القرآن" الذي ركز على الجوانب الدلالية للغة القرآن ، وكيفية ربطه بين السائد والمحلي ، وبين الرسالة الداخلية للنص. هذه اللغة - الشفافة حسب وصف ايزوتسو - مكنت العربي القديم من النفاذ الى مقاصد الخطاب ، عبر مفاهيم سائدة ومألوفة.
الاحكام التي ذكرت في القرآن والسنة ، التي تنظم العلاقة بين الناس وسلوكياتهم ، ليست استثناء من هذه القاعدة. وأشير هنا الى رأي الفقيه الهندي شاه ولي الله الدهلوي (1703-1762م) في كتابه "حجة الله البالغة" وفحواه ان العديد من الاحكام الشرعية ، بما فيها بعض العقوبات ، ليست من انشاء الشريعة ، فقد كانت معروفة سابقا ، فتبناها الاسلام بعدما ادخل عليها تعديلات.
بعبارة اخرى فقد عمد الشارع الى ما تعرفه المجتمعات المحلية ، وما تعارفت عليه – يومئذ - كنظام معقول وعادل ، فتبناه بذاته او بعد تعديله. ولو جاء بمنظومة احكام جديدة تماما ، فلربما وجدها الناس غريبة او متعارضة مع طبائعهم ونمط حياتهم ، ولربما انكرتها انفسهم.
يميز هذا التحليل بين الحامل (اللغة القومية والعرف المحلي) والمحمول (الدين/الشريعة). يمكن للدين وشريعته ان يخاطب اقواما ومجتمعات مختلفة في ثقافتها وتجربتها التاريخية وهمومها. يمكن ان نضرب مثالا بمجتمع اوربا او اليابان او افريقيا. لكنه حينئذ سيحتاج لطريقة خطاب مختلفة ، في اللغة والمفاهيم الحاملة للفكرة وكذلك منظومات الاحكام.
زبدة القول ان الدين جزءان: اولهما الحقائق الكبرى وهي جوهره ، والوسيط بين كل انسان وبين الخالق سبحانه ، وثانيهما القوانين الناظمة للحياة الاجتماعية ، وما فيها من تعاملات وعلائق. الأول كوني وهو الثابت ، اما الثاني فمتغير بحسب طبائع المجتمعات وهمومها وتاريخها الثقافي.
الشرق الاوسط الأربعاء - 6 شوال 1439 هـ - 20 يونيو 2018 مـ رقم العدد [14449]

"الفرج بعد الشدة"

|| ما تحدثه الاوبئة من فتك بالبشر، ومن فوضى واضطراب في نظام العالم، تولد شعورا قويا بالحاجة للتغيير، اي ابتكار بدائل عن نظم عجزت عن احت...